الهند وإيران وقضية المعايير المزدوجة

تم نشره في الأحد 28 أيار / مايو 2006. 03:00 صباحاً

في خضم المناقشات والمجادلات المحيطة بقضيتي العراق وإيران كدنا ننسى مبادرة رئيسية تتضمن دولة ثالثة: ألا وهي الهند. ففي وقت لاحق من هذا العام من المرجح أن يصوت كونجرس الولايات المتحدة على مبادرة التعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة والهند، والتي تم التوقيع عليها أثناء زيارة الرئيس بوش إلى نيودلهي في شهر مارس/آذار.

هذه الاتفاقية تمهد الطريق أمام الصادرات الأميركية من التقنيات والمواد النووية التي من المفترض أن تستخدمها الهند في برامجها النووية المدنية. وفي المقابل تعهدت الهند بفتح أربعة عشر من مفاعلاتها النووية القائمة الاثنين والعشرين القائمة بالفعل أو التي تخطط الهند لإنشائها، علاوة على كل المفاعلات المدنية التي تنشئها في المستقبل، أمام التفتيش الدولي.

وترجع أهمية هذه الاتفاقية إلى سببين على الأقل. الأول، أنها ترمز إلى التوصل إلى علاقات جغرافية سياسية جديدة بين أضخم نظامين ديمقراطيين في العالم، بعد أن كان كل منهما يقف في الجانب المعاكس أثناء فترة الحرب الباردة. إن هذا التطور يشكل أهمية تاريخية كبرى حتى ولو لم يسفر إلا عن تعميق الروابط التقنية والاقتصادية بين الدولتين، فما بالنا بما سيترتب على ذلك من تعزيز قدرة الدولتين فيما يتصل بالتعامل مع التحديات الإقليمية والعالمية، التي تتراوح ما بين قضية انتشار الأسلحة النووية إلى مسألة تغير المناخ.

لكن الاتفاقية المقترحة بين الهند والولايات المتحدة تسترعي الانتباه لسبب ثانٍ أكثر إثارة للجدال: فهناك مخاوف من أن تؤدي هذه الاتفاقية إلى إضعاف وليس تعزيز الجهود الرامية إلى مقاومة المزيد من انتشار الأسلحة النووية على مستوى العالم. فيؤكد المنتقدون أن الاتفاقية ستؤدي إلى تقويض معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (NPT) بسماحها للهند بالحصول على السلاح النووي، بل وبتشجيعها أيضاً (عن طريق منحها القدرة على الحصول على الوقود النووي والتكنولوجيا النووية). كما يزعم المنتقدون أن الاتفاقية تشكل معياراً مزدوجاً، بموجبه لا يحق إلا لبعض الدول إنتاج الأسلحة النووية.

إذا ما تحرينا الإنصاف، فإن المنتقدين على حق، ولو بصورة جزئية. فثمة معيار مزدوج بالفعل. لكن هذا ليس بالجديد. ذلك أن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية القائمة منذ حوالي أربعة عقود، تعتمد على معيار مزدوج يعطي خمس دول فقط ـ الصين، وفرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة ـ الحق في إنتاج الأسلحة النووية (ولأمد غير محدد).

فضلاً عن ذلك، فقد تعلم العالم، على ما يبدو، أن يتسامح مع حقيقة إنتاج ثلاث دول أخرى - إسرائيل، والهند، وباكستان - للأسلحة النووية. والخطأ الذي وقع فيه منتقدو الاتفاقية المقترحة بين الولايات المتحدة والهند يتلخص في تصورهم أن مثل هذا المعيار المزدوج خاطئ حين يتصل الأمر بالهند لأن هذا من شأنه أن يفتح الطريق أمام دول مثل كوريا الشمالية وإيران لإنتاج الأسلحة النووية.

إن الدول لا تستوي جميعاً. فالهند دولة ديمقراطية، والشفافية وحكم القانون يشكلان القاعدة هناك، كما أن حكومة الهند تبذل قصارى جهدها لمكافحة الإرهاب. وليس هناك من الأسباب ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن الهند قد تشجع انتشار الوقود، أو التكنولوجيا، أو الأسلحة النووية إلى أي جهة أو دولة أخرى؛ بل إن الأمر على العكس من هذا، فهي ملتزمة بمنع حدوث ذلك.

وهذا لا يصدق على كوريا الشمالية ولا على إيران. فالأولى تعتبر المجتمع الأكثر انغلاقاً، واستبداداً، وعسكرة في العالم، فضلاً عن سجلها الحافل بتصدير تكنولوجيات خطيرة على نحو غير مسؤول. أما إيران فهي تقدم الدعم الرسمي للإرهابيين، كما هدد رئيسها علناً بتدمير إسرائيل. والعالم لديه من الأسباب الوجيهة ما يكفي لإبداء قدر أقل من التسامح مع كوريا الشمالية وإيران فيما يتصل بقضية الأسلحة النووية، ورفض مطالباتهما بالمعاملة على قدم المساواة مع الهند.

في الواقع، إذا ما كانت الاتفاقية المقترحة بين الولايات المتحدة والهند تشكل أية خطورة، فإن هذه الخطورة تتمثل في أن تتصور كوريا الشمالية أو إيران أنها مسألة وقت فقط قبل أن يتقبل العالم وضعها النووي الجديد. وهنا يتعين على الولايات المتحدة والعالم أن يخرجوا هاتين الدولتين من هذا الوهم.

يبدو أن كوريا الشمالية قد استوعبت هذه الرسالة؛ فنحن لم نر أي اختبارات للأسلحة النووية من جانبها، على الرغم من قدرتها المحتملة على القيام بهذا. والصين التي تعتبر محطة الترانزيت لكل ما يدخل أو يخرج من كوريا الشمالية، تدرك تمام الإدراك أن تجاوز كوريا الشمالية لهذا الخط الأحمر يعني مبادرة الولايات المتحدة إلى القيام بعمل انتقامي، وربما دفع اليابان و/أو كوريا الجنوبية إلى إعادة النظر في سياساتهما الخاصة بالأسلحة النووية. وبطبيعة الحال فإن أياً من هذه النتائج لن يكون في مصلحة الصين الإستراتيجية.

مما يدعو للأسف أنه لا توجد أي دولة في موقف يسمح لها بالتأثير على إيران إلى الدرجة التي تستطيع بها الصين التأثير على كوريا الشمالية. ومما يزيد الموقف صعوبة أن أسعار النفط قد سجلت بالفعل أرقاماً قياسية في الارتفاع، بينما ما زالت القوات البرية للولايات المتحدة متورطة في العراق، وهذا من شأنه أن يقلل من مصداقية التهديدات العسكرية الأميركية الموجهة إلى إيران.

مع ذلك، لن يكون من الحكمة من جانب قادة إيران أن يواصلوا العمل في برنامج نووي غير مقيد، وأن يستخفوا باحتمالات قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد إيران. كما أن مبادرة الولايات المتحدة إلى توجيه ضربة وقائية إلى إيران لن تكون في مصلحة أي من البلدين. ذلك أن احتمالات وقوع خسائر في الأرواح، وقيام إيران بأعمال انتقامية، ووقوع الاقتصاد العالمي في حالة من الاضطراب، احتمالات مرتفعة للغاية.

والحقيقة أن كلاً من البلدين - بل والعالم أجمع - سوف يخدم مصالحه على نحو أفضل من خلال التوصل إلى حل دبلوماسي تتقبل إيران بموجبه وضع قيود شديدة على أي أنشطة مستقلة قد تقوم بها لتخصيب اليورانيوم، وتوافق على وضع كافة منشآتها النووية تحت رقابة دولية مشددة، في مقابل الفوائد الاقتصادية والضمانات الأمنية. والأفضل من ذلك أن تلجأ إيران إلى روسيا أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية إذا ما كانت تريد الحصول على محطات طاقة كهربية تعمل باليورانيوم. ولكي تتحقق هذه الغاية فلابد من الشروع في محادثات إيرانية أميركية مباشرة.

إن الحسابات الإيرانية لن تتأثر بما يحدث بين الولايات المتحدة والهند. بل إن السياسة الإيرانية سوف تصاغ وفقاً لسياستها الداخلية، ووفقاً لقدرة المجتمع الدولي على تشكيل جبهة موحدة، ووفقاً لمدى استعداد الولايات المتحدة لتقديم عرض دبلوماسي معقول على خلفية احتمال فرض العقوبات والقيام بعمل عسكري إذا ما فشلت الدبلوماسية. إن المخاطر عظيمة، والدولة التي ينبغي علينا أن ننتبه إليها وننشغل بها هي إيران وليست الهند.

ريتشارد ن. هاس رئيس مجلس العلاقات الدولية ومؤلف كتاب "الفرصة: اللحظة التي تستطيع فيها أميركا أن تحول مسار التاريخ".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق