جميل النمري

هل بقي أمل للعراق؟

تم نشره في السبت 20 أيار / مايو 2006. 02:00 صباحاً

الحرب في العراق واحدة من تلك الحروب التي تستطيع ان تحصي فيها الخاسرين والخسائر، لكنك لا تستطيع ان تجد رابحين أو مرابح!

أميركا غرقت في مأزق من صنع يدها، وهي حققت وتحقق خسائر سياسية ومادّية باهظة، لكنها لا تخسر لمصلحة طرف بعينه، إذ لا أحد سينتصر في العراق؛ فليس في حرب اهلية طائفية منتصر ومهزوم، بل دم ودمار، وتمزيق للوطن الى أشلاء.

من اجل ذلك، ومنذ بداية الاحتلال، نقول إن التوافق السياسي بين الأطراف العراقية هو النصر، وهو الأمل. فالاحتلال الى زوال مهما طال، لكن المهم ان لا ينزلق العراقيون الى صدام اهلي. كان هذا بينما رفع كثيرون شعار رفض الحكومات، ورفض الانتخابات، ورفض العمليّة السياسية في ظلّ الاحتلال، وأن كل شيء يبدأ بعد انتصار المقاومة وزوال الاحتلال. وكان هذا كلاما سخيفا، لأن المقاومة كانت سنّية الطابع، وانتصارها يعني دحر القوات الأميركية وثلاثة أرباع العراقيين، أي الشيعة والأكراد أيضا، وهذا غير منطقي! وهي ذات جدوى فقط اذا ما انخرطت القوى السنّية في العملية السياسية للتفاهم مع الآخرين على مستقبل الدولة العراقية، واشتغلت المقاومة حصريا في القتال ضدّ القوات الأميركية.

لكن هذا الوعي تأخّر كثيرا جدا، وفي الأثناء اشتغلت بعض القوى الشيعية على استئصال السنّة، تحت عنوان استئصال البعث، فيما اشتغل الأكراد على تعزيز استقلالهم، و"تكريد" كركوك، وانزلقت فصائل مسلحة الى الأساليب الإرهابية وقتل الشرطة، وتكفّل ابومصعب الزرقاوي بتأجيج الفتنة، بنسف الحسينيات، والتفجيرات الانتحارية ضدّ المدنيين، وتشويه المقاومة بجزّ الرؤوس أمام العدسات، فيما تكفّلت ميليشيات شيعية في المقابل بالتطهير العرقي، عبر اغتيال العشرات يوميا! وبحسب مصادر أمنيّة، فان ما لا يقل عن مائتي سنّي يتمّ اغتيالهم يوميا في العراق.

في وقت متأخر، تنبّهت الإدارة الأميركية إلى انها اذ اطاحت بالدولة العراقية القديمة، فإنها لم تتسلّم العراق، بل سلّمته لإيران، وتنبّه السنّة إلى ان عدم مشاركتهم في العملية السياسية هو عمل عدمي بلا مخرج. أما الأكراد، فقد تنبّهوا إلى انهم يحتاجون السنّة لتحقيق التوازن مع الشيعة، الذين تنبّهوا بدورهم إلى ان عزل الزرقاوي والتكفيريين مستحيل من دون استعادة السنّة للمشاركة السياسية.

بهذا الوعي الذي تأخر كثيرا عدّلت الولايات المتحدّة موقفها، وفي الأفق المواجهة المحتملة مع ايران. وتبحث الأطراف، منذ خمسة أشهر، تشكيل حكومة ائتلاف وطني عريض. وقد استمرت المفاوضات والمناورات الفوقية، بينما الميليشيات والمجموعات المسلحة تتبادل القتل والتصفيات. واليوم السبت، يفترض بحسب ما وعد المالكي ان يكون اعلان الحكومة العتيدة، وعلى الأرجح من دون تسمية منصبي الداخلية والدفاع، موضع الخلاف؛ إذ قال الرئيس المكلّف انه سيحتفظ بهما إلى حين ايجاد مخرج.

انها ولادة باهتة لحكومة لا تعطي رسالة بأن الأمور قد سوّيت، مما يبقي الأمور في الميدان العسكري والأمني على حالها.

والحق انه بعد الإدارة الكارثية لوزارة الداخلية خلال حكومة الجعفري (إذ أصبحت الوزارة هيئة اركان الحرب الطائفية بيد الميليشيات، لممارسة الاغتيال والتصفيات بلباس الشرطة والمغاوير)، فمن المنطقي اناطتها بشخصيّة سنّية محترمة، لتطمين الناس وتطهير الجهاز، وبالحدّ الأدنى انشاء قيادة جماعية موثوقة من كل الأطراف.

إن تشكيل حكومة مقبولة من جميع الأطراف هو المقدمّة لإنجاح مؤتمر المصالحة تحت رعاية الجامعة العربية، ومن المؤسف ان الأجواء لا تبشّر بالتفاؤل، ومن المؤسف أكثر ان لا نرى جهدا عربيا يرمي بكل ثقله لتجاوز أزمة تشكيل الحكومة.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق