الوصاية المالية على الفلسطينيين

تم نشره في الخميس 11 أيار / مايو 2006. 02:00 صباحاً

مقلق جدا ذلك الوضع المالي للحكومة الفلسطينية، وما يترتب على ذلك من انفلات أمني، لا سيما بعد أن أخفقت حكومة حماس في تسليم ما يقارب 165 ألف موظف فلسطيني رواتبهم عن شهري آذار ونيسان. ولا يوجد ما يوحي بأن الحكومة قادرة على تدبير الأموال الكافية لدفع رواتب أيار أيضا، مما يلقي بأعباء ليس للعاملين في السلطة الفلسطينية القدرة على تحملها.

وجاء تقرير البنك الدولي في التوقيت المناسب، إذ أعلن أن هناك كارثة إنسانية وشيكة ستحدث في الأراضي المحتلة في حال استمرار الوضع المالي على ما هو عليه.

موقف اللامبالاة الذي أظهره المجتمع الدولي في الآونة الأخيرة غير أخلاقي، فلا تجوز معاقبة الشعب الفلسطيني بهذه الطريقة المقيتة، والذي على المحك ليس حكومة حماس، وإنما قوت المواطن الفلسطيني الذي يمر بظروف بالغة السوء، ناهيك عن الاحتلال الجاثم على صدره. ويجب أخذ تقرير البنك الدولي مأخذ الجد؛ إذ إن الشعب الفلسطيني لن يعتمد على الزعتر (كما صرح إسماعيل هنية ذات مرة) لقلة توفره!

لقاء اللجنة الرباعية في نيويورك هو خطوة في الاتجاه الصحيح، كونه كرس للتباحث حول كيفية تجنب وقوع كارثة إنسانية، بالرغم من الإجماع الدولي على عدم التعامل مع حكومة حماس. وهناك تفهم دولي آخذ في التشكل قوامه ضرورة الاستمرار في تقديم الدعم للفلسطينيين بالرغم من وجود حكومة حماس.

لكن يجب أن لا ينظر إلى هذا الدعم، في حال تقديمه، كنصر لاستراتيجية حماس، لأن في ذلك طامة كبرى، ودسا للرؤوس في الرمال. فمساهمة الأردن كانت في غاية الأهمية لدعم الموقف الفلسطيني، لا سيما بعد الخلاف الأردني مع حكومة حماس؛ إذ تقدم وزير الخارجية الأردني باقتراحات عملية ومفيدة لمساعدة الفلسطينيين، وتجنب سيناريو الانهيار في الأراضي المحتلة.

وتتحدث الأخبار المتسربة أن الولايات المتحدة تبدي ليونة بعض الشيء تجاه دعم الفلسطينيين، وهذا تطور يجب تشجيعه، وبخاصة في ضوء التصريحات الأميركية المتكررة التي تؤكد على قطع الدعم عن الفلسطينيين خشية أن تذهب الأموال إلى حكومة حماس، فتتصرف بها لدعم "الإرهاب". وتبدو هذه المعارضة في غاية الشدة بين أعضاء الكونغرس الذين يتأثرون كثيرا بالموقف الإسرائيلي الرافض للتعامل مع حماس، فلازالت إسرائيل تحجز مستحقات مالية عن الفلسطينيين.

والسؤال المهم هو: ماذا سيحدث لو أثمرت هذه الجهود ووافق المجتمع الدولي على استئناف دعم السلطة الفلسطينية بالرغم من وجود حماس، لكن عن طريق تجاوز حكومة حماس، هل ستتعاون حماس مع هذا؟ وماذا سيحدث لو رفضت حماس آلية العمل المتعلقة بتوزيع الرواتب على مستحقيها؟

نسمع أن هناك اقتراحين، احدهما هو إرسال الأموال إلى الرئيس ابو مازن مباشرة ليقوم بدوره بمهام وزير المالية! أما الاقتراح الثاني فهو أن يتولى البنك الدولي مسؤولية توزيع الأموال على العاملين في السلطة بنفسه، من دون التنسيق أو التعامل مع حكومة حماس. لكن الوصاية المالية المقترحة ستحرج حكومة حماس؛ إذ كيف يعقل أن تستمر حكومة دون أموال، ودون القدرة على وضع موازنة سنوية لتنفيذ ما تراه من مشاريع وبنى تحتية؟ وإذا ما التزم المجتمع الدولي بتوفير رواتب الموظفين، فعندها ما المبرر في استمرار الحكومة، وكيف ستكون النظرة إليها؟ وما الذي سيحدث لحكومة حماس عندما يتطلب توزيع الأموال على الموظفين سحب المزيد من الصلاحيات من الحكومة الفلسطينية، كيف سترد حماس؟ هل سترى في ذلك جهدا دوليا، بموافقة فلسطينية وإقليمية، لتقويض حكومة انتخبها الشعب الفلسطيني؟

كل هذه الأسئلة مشروعة، وعلى الجميع أن يكون لديه موقف وإجابة عنها، لأن رغبة حماس في الحكم لا تقل عن رغبة فتح في الحكم، وقد يكون هناك بالتالي المزيد من سفك الدماء الفلسطينية صراعا على السلطة، وبخاصة في ضوء تصريحات سابقة لقادة في حماس مفادها أن حكومة حماس ستكون آخر حكومة فلسطينية!

[email protected]

التعليق