إبراهيم غرايبة

الفصح وعشتار

تم نشره في الثلاثاء 25 نيسان / أبريل 2006. 02:00 صباحاً

يسمى عيد الفصح في الغرب "إيستر" نسبة إلى عشتار، إلهة الخصب والعطاء لدى العرب السالفين (الأراميين والكنعانيين والفينيقيين والسريان).

ويبدو أن هذا العيد هو من العبادات السابقة لليهودية والمسيحية، وقد يعود إلى إبراهيم عليه السلام وربما قبله أيضا. كما

يبدو تفاعل الصيام المسيحي مع الطبيعة والربيع واضحا، فهو يقوم على الامتناع عن تناول الأطعمة الحيوانية في فترة الربيع، لإفساح المجال للمواشي في مرحلة الولادة والخصب لتربي صغارها ولتكبر، في الوقت الذي يجد الإنسان من نبات الأرض بديلا للحوم والحليب؛ وهي عادات وممارسات ماتزال متبعة لدى كثير من المسلمين في المنطقة، من الفلاحين والبدو، الذين مازالوا يمتنعون كليا أو جزئياعن تناول المنتوجات الحيوانية، وينتقل حتى الذين يقيمون في البيوت الطينية والحجرية مع مواشيهم، ويمضون النهار وجزءا كبيرا من الليل في رعيها. ويحتفل بعض البدو حتى اليوم في نهاية هذه الفترة بذبح الخراف والولائم، وإعلان إنهاء الصوم أو الامتناع عن تناول اللحوم والحليب ومشتقاته.

يُعتبر عيد الفصح المسيحي امتداداً لعيد الفصح اليهودي، لكن معناه عند المسيحيين يختلف عن معناه عند اليهود؛ فبينما يعتقد اليهود أن "الفصح" هو ذكرى عبورهم من "العبودية إلى الحرية" بعد خروجهم من مصر، يعتقد المسيحيون أن ذلك العيد يشير إلى "عبور المؤمن بالمسيح من العبودية للخطيئة إلى التحرر والحرية"، ويرون أن السيد المسيح، عليه السلام، قبل صلبه لم يأكل مع تلاميذه عشاء الفصح المكوّن من الحَمَل المذبوح، بل قدم نفسه فداء ليصير هو "الحَمَل المذبوح" مشكّلاً كفّارة عن خطايانا.

ويقولون إن السيد المسيح، عليه السلام، أثناء وليمة الفصح أعطى تلاميذه خبزاً وخمراً للدلالة على دمه المسفوك من أجل حياة العالم، وأمر أتباعه أن يسيروا على هذا المنوال بقوله: "اصنعوا هذا لذكري". وهناك فئة تحتفل بذكرى "قيامة" السيد المسيح من بعد صلبه وعودته إلى الحياة.

ويرتبط موعد عيد الفصح باكتمال البدر الذي يظهر بعد الاعتدال الربيعي، وهي معان وأفكار سابقة جرى تهويدها ومسحنتها، فالقمر في اكتماله يرمز إلى القيامة بعد مرحلة من الموت (المحاق) ثم الميلاد حتى الاكتمال في منتصف الشهر. ومن المعتقدات السائدة حتى اليوم أن الخلود نوعان: ذاتي، كما القمر الذي يموت ويولد من جديد؛ ونوعي، بالولادة وتواصل الحياة عبر الأجيال. ويقال إن الخلود كان ذاتيا، ثم تحول إلى نوعيّ بخطيئة آدم وحواء ونزولهما إلى الأرض.

وفي جميع الأحوال، فإنها معان تعبر عن العطاء والفداء والحرية والانعتاق. ومن المعلوم أن عيد الأضحى عند المسلمين هو استبدال التضحية بالذبائح بافتداء الإنسان نفسه. ومايزال تقديم الإنسان نفسه ليخلص الآخرين من خطاياهم متبعا لدى كثير من الأديان والشعوب في أفريقيا وآسيا.

ويعرف عيد الفصح (بيساح) لدى اليهود أيضًا بعيد الفطير، وعيد الحرية، وعيد الربيع، ويحتفل في هذا العيد بخروج بني إسرائيل من مصر وتخليصهم من العبودية، والحرية هي من أهم العناصر التي يدور حولها هذا العيد. وقبل عيد الفصح بأسابيع، تبدأ العائلات وأصحاب المحلات أيضًا بتنظيف البيت وإخلائه من كل ما هو "حاميتس"، أي ما هو مختمر أو يحتوي على الخميرة. وقبيل حلول العيد يتم احتراق ما تبقى في البيت من خبز.

ويُعرَف عيد الفصح أيضًا بعيد الفطير لفريضة أكل الخبز الفطير فيه ("ماتسا" بالعبرية)، وتذكارًا للخبز الفطير الذي أكله بنو إسرائيل لدى خروجهم من مصر باستعجال، وهي فكرة أضيفت لاحقا على العيد، لكنها موجودة لدى شعوب وأديان أخرى، وترمز إلى الحياة والبعث والخلود. ويحتفل بعض اليهود، لاسيما العلمانيون وسكان القرى التعاونية "الكيبوتسات"، بعيد الفصح على أساس ومفاهيم زراعية (الربيع)، ويرتبط به تناول وتقديم باكورة محاصيل الغلال.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق