إبراهيم غرايبة

مؤتمر الوسطية

تم نشره في الاثنين 24 نيسان / أبريل 2006. 02:00 صباحاً

برعاية جلالة الملك، يفتتح اليوم المؤتمر الدولي الأردني الثاني لمنتدى الوسطية، تحت عنوان "الدور العملي لتيار الوسطية في الإصلاح ونهضة الأمة". والعنوان يحمل دلالات وأسئلة حول المفاهيم والمصطلحات، من قبيل: ما هو تيار الوسطية؟ وما هي التيارات الأخرى؟ هل يعني الوسط الإسلامي أن ثمة يمينا إسلاميا ويسارا إسلاميا؟ والواقع أن "الوسطية" تختلف عن الاعتدال، فقد يكون اليمين أو اليسار أيضا معتدلين، فليس الاعتدال مقتصرا على الوسط الذي قد يكون متطرفا؛ أي أن التطرف والاعتدال يمكن أن يكونا في جميع التيارات والأجيال.

لقد استقر الفكر والخطاب السياسيان في الغرب في تيارات ثلاثة تستوعب المواقف والمفاهيم والأفكار السائدة؛ فاليمين عادة يعني التيار المحافظ، بشقيه العلماني والمتدين، واليسار يعني عادة الاشتراكية، ويمتد إلى مفاهيم العدالة الاجتماعية والديمقراطية الاجتماعية، ودولة الرفاه والرعاية الاجتماعية والصحية، وإن كان اليمين في مرحلة تاريخية قد التزم بدولة الرفاه والرعاية، لتندرج في الوسط تيارات "الطريق الثالث" والليبرالية الأميركية والاشتراكية الأوروبية.

ولو أردنا أن نطبق هذه المفاهيم على التيارات والجماعات الإسلامية في الأردن، فربما نصنف حزب الوسط في التيار اليميني، وحزب جبهة العمل الإسلامي في الوسط، والجماعات السلفية على تنوعها في اليمين، بين يمين تقليدي ومعتدل ويمين متطرف، وربما يكون حزب التحرير الإسلامي في اليسار المتطرف.

وهذا تصنيف واقعي لا تعترف به بالطبع الحركات والتيارات الإسلامية، لكن التجربة والمسار التاريخي والفكري يؤشران على إمكانية نشوء تيارات وجماعات وأفكار إسلامية هي في الوقت نفسه ممتدة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتراوح أيضا بين الاعتدال والتطرف.

وعندما ظهرت التيارات والأفكار العالمية بقوة في الأربعينيات من القرن الماضي وما بعدها، حاول قادة ومفكرو الحركة الإسلامية مقاربة هذه الأفكار والطروحات مع الإسلام، فكان كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام لسيد قطب" العام 1947، وكتابه "الإسلام والسلام العالمي". ونصت أهداف جماعة الإخوان المسلمين في قانونها الأساسي الذي صدر في العام 1948 على مناصرة السلام العالمي. كما أصدر مصطفى السباعي كتاب "إشتراكية الإسلام"، وكان الإخوان المسلمون السوريون ضمن كتلة العمل الإسلامي الإشتراكي، أو تسمية من هذا القبيل.

لكن يبدو أن "الوسطية" التي يدعو إليها منتدى الوسطية، الجهة المنظمة لمؤتمر الوسطية، لا تعني الوسط بمعنى التوسط بين اليمين واليسار، أو اتخاذ موقف بين التساهل والتشدد، إنما هي الوسطية التي تعني الأفضل؛ فقوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا" يعنى أمة عدلا، وواسطة العقد أجوده، والأوسط نسبا هو الأشرف، فهي تعني هنا السعي إلى الأفضل والأقرب إلى الصواب، وفي هذه الحالة لا يصح أن يسمى هذا الاتجاه في العمل والتفكير، على صوابه وشرفه، تيارا، لأنه يعني مسبقا احتكار الصواب ونفيه عن الآخرين، والبحث عن الحكمة والاعتدال هو في الافتراض المتصالح عليه أمر مشترك بين التيارات والجماعات والأفكار والأمم، هو مما تتشارك في السعي إليه وإمكانية تحقيقه لدى أي فرد أو جماعة أو تيار. وفي هذه الحالة، فإن الوسطية مثل الديمقراطية، حالة تشترك فيها جميع التيارات، فلا يحق لأحد أن يسمي نفسه مثلا التيار الديمقراطي إلا إذا كان يعني جميع المؤمنين بالديمقراطية من أي تيار أو جماعة.

الأفكار والأهداف التي يسعى إليها المؤتمر هي وسطية بامتياز، فهي تقديم الصورة الحقيقية المشرقة للإسلام، وترسيخ منهج الاعتدال والتوازن في فهم الإسلام والدعوة إليه، وتعزيز قيم التسامح والمحبة والتعاون، واحترام الحرية الدينية والفكرية لجميع الناس. لكنها أفكار يصعب أن يزعم تيار ما أنه يتميز بها، إذ هي أفكار ومبادئ تصلح لكل الجماعات والتيارات، الإسلامية وغير الإسلامية أيضا، وهذا ليس عيبا بالطبع.

ولكن يبقى سؤال: إن كان ثمة تيار يسمى نفسه بتيار الوسطية، فما الفرق بينه وبين التيارات الأخرى؟ وإذا كان يعني فعلا بالوسطية الأفضل، فهل يعني أن غيره ليس الأفضل؟ أم هو تنافس في الوسطية وعليها، وفي هذه الحالة ماذا يكون اسم أو وصف التيارات الأخرى؟

[email protected]

التعليق