"لا تقل لي أكاذيب"

تم نشره في السبت 22 نيسان / أبريل 2006. 02:00 صباحاً

 القول الذائع هو ان"الحقيقة هي اولى ضحايا الحروب".

اما جون بلغر John Pilger وهو صحافي عريق موصوف بالنزاهة، وتحقيقاته الصحافية وافلامه وتقاريره تتميز بسمعة ومكانة عالية، فيقول ان "الصحافة برمتها هي الضحية الاولى".

جون بلغر عمل في الصحافة لأكثر من اربعين سنة وغطى حروبا في فيتنام وكامبوديا والعراق وفلسطين واميركا اللاتينية وحرر كتابا بعنوان"لا تقل لي أكاذيب" "Don't tell me lies". كما ألقى اخيرا محاضرة في جامعة كولومبيا بنيويورك، بحضور عدد من ارباب صحافة التحقيقات Investingative Journalism امثال سيمورهيرش وروبرت فيسك وتشارلز غلاس, ونشر موقع أنتي وور Anti War.com خلاصة لتلك المحاضرة في 20 نيسان 2005.

يروي بلغر انه كان يصور سرا في تشيكوسلوفاكيا في عقد السبعينيات الماضي، عندما كانت تشيكوسلوفاكيا دكتاتورية ستالينيه، فأبلغه كاتب القصة المعارض زدينك اوبانيك ان الناس في ذلك البلد هم اكثر حظا من نظرائهم في الغرب، لأنهم لا يصدقون شيئا مما يقرأونه في الصحف او يسمعونه ويشاهدونه على اجهزة التلفزة، لا شيء من الاعلام الرسمي على الاطلاق، وانهم، اي الناس، في تشيكوسلوفاكيا تعلموا ان يقرأوا بين السطور لأنّ الحقيقة دائما مدمرة.

يتمنى بلغر أن يتعلم الناس في المجتمعات التي من"المفروض انها حرة" فن القراءة بين السطور لأن الصحافة برمتها اصبحت سلاحا يستخدم في الحروب وأنّ "الرقابة الخبيثة" التي تمضي بعيدا عن وعي الجمهور في الولايات المتحدة وبريطانيا وديمقراطيات اخرى, "رقابة الحذف" تملك من قوة التأثير ما يتساوى مع الفرق بين الموت والحياة للناس في البلدان البعيدة مثل العراق.

بعبارة اخرى الدول الديمقراطية تكذب للتستر على اخطائها، ولتمرير سياسات غير مرغوبة لدى شعوبها او لحماية المسؤولين فيها، تماما كما كان يتصرف إعلام، او دعاية، الدول الدكتاتورية لخداع الناس واخفاء الحقائق عنهم.

قبل ان اعود للماضي، الذي اصبح بعيدا، أود أن أشير إلى دور الصحافة المغرض في الحرب الاخيرة على العراق، والمفارقة الغريبة اننا في هذا الجزء من العالم، حيث لا يملك إعلامنا تلك القدرات الخارقة، والموازنات الضخمة، والكفاءات العالية، التي يملكها الغرب، كنا ندرك أنّ دوافع الحرب على العراق كانت تختلف كثيرا عن ادعاءات دعاة الحرب، ومن اختار ان يمضي معهم في تلك المغامرة المدمرة، كنا نعلم أنّ المسألة ليست مسألة اسلحة دمار شامل، ولا استبدال الدكتاتورية بالديمقراطية ولا وضع حد للارهاب، ولا تضييق فرص النظام المطاح به في العراق، فرص الاعتداء على جيرانه او تهديدهم او تهديد المواطنين في اميركا وبريطانيا عن طريق تزويد الارهابيين بأسلحة الدمار الشامل.

كنا نعلم أنّ تلك لم تكن اكثر من ذرائع للترويج للحرب ولتسويفها ولإقناع الشعوب في تلك الدول، التي عبرت بقوة عن شكوكها ومعارضتها، بقبول الحرب ومساندتها. وكنا نعلم ان غاية الحرب الرئيسية لم تكن اكثر من ترتيب شؤون المنطقة لملاءمة المشروع الصهيوني، ولكن التضليل والكذب واخفاء الحقيقة وخداع الناس لم يكن ممكنا بغير ذلك القدر الكبير من تواطؤ الصحافة في تلك البلاد عن طريق انتقاء الاخبار التي تخدم الغاية المحددة، وكبت كل معلومة تتعارض مع ذلك، ثم برزت ظاهرة الصحافة المحتضنة وهي اختيار صحافيين معينين ليكونوا جزءا من القطاعات العسكرية, يتواجدون معها وبينها ويتزودون بالاخبار المرغوب نشرها، ويحظر عليهم نشر غيرها، اي انهم يتحولون من سلطة رابعة مستقلة هدفها وهمها نقل الحقيقة، الى سلطة مجندة ومكرسة لخدمة الدعاية الحربية التي لا تنتهي بالابتعاد عن الحقيقة، بل بمناقضتها بشكل كامل.

كم تساءلنا: ما الذي جرى للصحافة الغربية؟ ولماذا سقطت لهذا المستوى؟ ولم يكن الجواب بعيدا, فقد اشتركت دور الاعلام الكبيرة مع دول الحرب في رؤى متشابهة وهي ان"عدو" الدولة هو "عدو" الصحافة ايضا. فلم تكن المؤسسات الإعلامية معنية بكشف الحقيقة اكثر من الاجهزة الرسمية التي كانت ترى الحقيقة خطرا على مخططاتها، وبالتالي استوجب طمسها، وتلك ايضا كانت نظرة الصحافة واجهزة الاعلام.

ولهذا السبب استُهدِفت الفضائيات العربية؛ لأنّها كانت تكشف الكثير من الحقائق قبل الحرب واثناء الحرب، واستهدفت كذلك كل صحافة ساهمت في تغطية الحرب وفظائعها واخطائها، ولكن خارج اطار الدعاية المصرح بها من قبل قوات الغزو في الميدان وقياداتها في مواقع القرار.

لم تستهدف الصحافة المستقلة بالنقد والاعتراض والادانة فقط، بل تعرضت للقصف وتعرض رجالاتها للاعتداء المباشر وقدمت الفضائيات العربية وقدمت وكالات الاعلام والانباء عددا كبيرا من ضحايا القمع الاعلامي، الذين لم يأبهوا بتقديم حياتهم من اجل كشف التضليل وابراز الحقيقة.

مع ان هذه الظاهرة الخطيرة، الحرب على الحقيقة، ليست مقصورة على خدعة العصر؛ اي الحرب التي تعاني المنطقة ويعاني العالم من عواقبها المدمرة الخطيرة، مع ذلك فعندما تكشف للعالم المخدوع أنّ العراق لم يكن يحتوي على اسلحة دمار شامل، ولم تكن له علاقة بالارهاب، وان النظام المدمر لم يستبدل بأفضل منه، اخذت الصحف الكبرى في الولايات المتحدة بالذات تعبر عن أسفها لمساهمتها في عملية الخداع والتضليل وتعتذر بقرائها.

لا ندري اذا كان هذا التبدل في الموقف هو نتيجة صحوة ضمير اصيلة وحقيقية أم لأن الامور قد انكشفت لدرجة لم تعد المكابرة ممكنة في ظلها، والدليل على انها ليست الصحوة الحقيقية هو ان عملية التضليل مستمرة على نطاق واسع في كل ما يتعلق بالصراع العربي- الاسرائيلي، وفي كل ما يغطي على مساوئ وممارسات اسرائيل الفظيعة مقابل التهويل في كل خطأ يصدر عن الجانب العربي، اي بتطبيق المعايير المزدوجة بأبشع اشكالها المفضوحة والمكشوفة.

يقتبس جون بلغر في محاضرته عن النيويورك تايمز بعض محاولات التصويب عندما كتب احد محررتها في 24/ آب/2005 " لو علمنا كلنا وقتئذ ما نحن نعرفه الآن فإنّ غزو العراق كان سيوقف نتيجة احتجاج جماهيري جماعي"، اي كما يعلق بلغر:"لم يكن الغزو ليحدث لولا أنّ الصحافة خانت المجتمع بقبولها وتضخيمها لوجهة النظر الرسمية ولولا انها رددت أكاذيب بوش وبلير بدلا من تحدي هذه الاكاذيب وكشفها".

كنا في هذه البلاد ولعقود متتالية نبحث عن الحقيقة في الإعلام الغربي، وكنا نعتقد انه اكثر حرصا من اعلامنا وصحافتنا على احترام الحقيقة، ولكن الصورة تبدلت جذريا في ضوء تجارب الماضي القريب والحاضر المذهل بما فيه من نفاق وتناقض وتنكر للمبادئ الصحيحة والنزاهة والأمانة.

ما يبعث على شيء من الأمل، وان يكن في بداياته، ان اصواتا ذات مصداقية، مثل صوت بلغر، ومثل ميرشايمر وولت مؤلفي تقرير اللوبي الاسرائيلي وسيطرته على سياسة اميركا الخارجية، ان اصواتا كهذه تتعالى باستمرار ضد الخداع والكذب وما ترتب على ذلك من تهديد لأمن البشرية برمتها.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق