محمد أبو رمان

عن أي"وسطية" نتحدّث؟

تم نشره في الجمعة 21 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

يعقد في عمان بعد أيام قليلة مؤتمر"الدور العملي لتيار الوسطية في الإصلاح ونهضة الأمة" بمشاركة عدد من المفكرين والمثقفين الإسلاميين المحسوبين على التيار المعتدل والإصلاحي، وبتنسيق وترتيب من منتدى الوسطية في عمان. ولعل مصطلحات الوسطية والاعتدال هي من أكثر المفاهيم المتداولة والمثيرة للجدل في الآونة الأخيرة، نظرا للدراسات الغربية والعربية المتعددة التي تتحدّث عن توظيف التيارات"المعتدلة" لضرب التيارات "المتطرفة" والمسلّحة، بما يخدم في المحصلة مصالح كل من الولايات المتحدة الأميركية والنظم العربية.

في الحقيقة القراءة السابقة لا تمت إلى الواقع والموضوعية بصلة، فالحكومات العربية لم تلجأ إلى الإسلاميين العقلانيين والمعتدلين في أي مرحلة من المراحل، وحتى الدراسات الغربية والأميركية تحدّثت عن توظيف للتيارات"التقليدية" في خلق حروب إسلامية- إسلامية لضرب التيارات المسلّحة. بل إنّ الحقيقة الجلية التي يمكن رصدها بسهولة أن التيارات والأصوات الإسلامية العقلانية- المعتدلة تتعرّض لحرب أخطر من الحرب التي تواجه التيارات"الجهادية" من الحكومات العربية من خلال تضييق مسارات العمل السلمي المشروع والمنابر الحرة والهواء النقي، ما يجعل الظروف والبيئة مهيأة تماما لنمو بذور التطرف الديني والسياسي.

وغني عن القول إن العنف والتطرف هو وليد مناخ السجون والكبت والمعتقلات، وهو ما يمكن أن نلمسه بوضوح في العديد من الحالات والمراحل، ولعل أبزرها ما حدث في مصر لحظة الصراع بين الإسلاميين والناصريين، منذ منتصف خمسينيات القرن المنصرم. فلا غرابة أن يملأ شكري مصطفى زعيم التكفير والهجرة الفراغ بعد أن أعدم عبد القادر عودة الفقيه الإسلامي الكبير وصاحب أهم المؤلفات في القانون الجنائي الإسلامي. ولم تظهر أفكار تكفير المجتمعات وتضليلها في ظل شروط من الحياة الديمقراطية والتعددية، وحتى لو ظهرت فستكون أفكارا محدودة غير مقنعة ولا مؤثرة.

ويساهم في حصار التيار الوسطي المعتدل السياسة الغربية- الأميركية التي تزيد مع مرور الوقت حالة العداء العربي والإسلامي لها والسخط عليها، في ظل انهيار حصون الدفاع الرسمية العربية، وهو ما يقوي حجج وخطاب التيار المتطرف ويوفر له المحاضن المناسبة للتجنيد السياسي والحركي للشباب الساخط والغاضب.

أمّا الضلع الأخير من الثالوث المعادي للتيار الوسطي(بالإضافة إلى الحكومات العربية والغربية) فهو الإعلام الغربي الذي يسلط الضوء على حفنة من المتطرفين والمتشددين ويفتح لهم المنابر الإعلامية، ويقدمهم وكأنّهم الناطقون باسم الإسلام، لخلق حالة من العداء للتيارات الإسلامية داخل المجتمعات الغربية.

التيار الوسطي- الإصلاحي يطرح سؤال الشرعية وحقوق الإنسان والحريات العامة ويخاطب الشعوب والمجتمعات العربية المسلمة بواجب العمل السياسي والمدني المثمر البناء، ويحرّضها على عدم السكوت والقبول بالظلم والفساد وبالعمل على النهضة والرقي وتوظيف الطاقات لبناء حالة حضارية فاعلة متقدمة، وهو ما تجد فيه كثير من الحكومات العربية- التي تحكمها النظرة الأمنية المغلقة للحياة السياسية- عامل إزعاج ومصدر تهديد لاستقرارها الهش المبني على تغييب دور المجتمعات والأحزاب والحياة السياسية الديمقراطية الصحية، لذلك فالتيار الوسطي المعتدل الحقيقي ليس مرحبا به في الواقع السياسي العربي اليوم.

وإلاّ؛ فهنالك مساحات واسعة ومجالات عديدة إعلامية وثقافية وفكرية يمكن أن تسمح بها الحكومات لتحرك التيار الوسطي، هذا إذا كانت الحكومات العربية الحالية تريد الإصلاح والتغيير فعلا، وهي"الإرادة" التي لو وجدت في الأصل لتغيرت كثير من الأوضاع العربية الحالية، ولما وصلنا إلى هذا المستنقع الخطير!

إذاً، ما سرّ حديث النظام العربي الدائم عن الوسطية والاعتدال الإسلامي؟ الجواب بسيط وهو ذر الرماد في العيون، وركل المشكلات إلى الخطاب والحراك الإسلامي، بينما الأزمة الحقيقية هي في حضن هذه النظم، إن لم نقل في شرعية وجودها. وإذا كان هناك مواصفات حقيقية للتيار الوسطي الذي يريده النظام العربي: فهو وسطي بالاسم والشعار بلا مضمون كفاحي حقيقي، تيار أو نخب مدجّنة مهزوزة لا نعثر عليها إلا في المؤتمرات والندوات، وعلى شاشات الإعلام الرسمي العربي لتقدم خطابا لا هو بالوسطي ولا بالمعتدل: خطاب ضعيف بائس لا تتجاوز قوته وحضوره غرف الفنادق التي تعقد فيها هذه المؤتمرات!

إذا كنّا نبحث حقّا عن دور عملي لتيار الوسطية والاعتدال اليوم؛ فمعركة هذا التيار في الشارع والمجتمع، يشتبك مع الناس وأفكارهم وثقافتهم، يواجه فساد السلطة واستبدادها ويدفع الأمة إلى الأمام لانتزاع حقوقها السياسية وأداء واجباتها. ويخاطب المجتمعات بالمقاصد الحضارية والأخلاقية والنهضوية للدين. فهو دور كفاحي حقيقي لا يخشى أصحابه أن يدفعوا ثمن مواقفهم وأفكارهم في سبل تحرير الشعوب والمجتمعات العربية من رق الواقع الحالي.

تيار الوسطية ليس غائبا بل مغيّباً. وهناك عشرات العلماء والمفكرين والمثقفين الإسلاميين الإصلاحيين الذين يمتلكون ناصية خطابٍ إسلاميٍ متقدم وتنويري، لكنهم محاربون ومحاصرون. بينما يتمتع بالمناصب والنفوذ أصحاب الألسنة المتلونة الملتوية المتقلبون الراقصون على كل الحبال، الذين لا يمتلكون مصداقية مع أنفسهم فضلا عن مصداقيتهم عند الشرائح المختلفة في المجتمعات العربية. فهذه "النخبة" عندما تتحدّث عن الوسطية والاعتدال والتنوير تسيء لهذه المفاهيم، كما يسيء أصحاب خطاب العنف والتطرف لمفهوم الجهاد في سبيل الله.

لا يأتي دور التيار الوسطي من"فراغ"، فهنالك شروط موضوعية وذاتية له، لكن امنحوه الفرصة أولا، اتركوه يعمل في الجامعات والمعاهد العلمية والشرعية وكليات الشريعة ووزارات الأوقاف والمحافل الإعلامية والثقافية والمؤسسات المدنية.. وستجدوا النتيجة.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رجال الوسط بالأردن (متابع)

    الاثنين 24 نيسان / أبريل 2006.
    هل ترى ان مجموعة رجال الوسط ونساء الوسطية في الاردن ما هم الا مجموعة لها مصالح شخصية لم تستطع تحقيقها عندما كانوا ضمن صفوف العمل الاسلامي فارتأوا العزف على وتر الوسطية ويعنون به التساهل والتنازل من اجل تحقيق مكاسب مادية ومراكز يتبوؤنها لدى الحكومات؟
    مع تحياتي