إبراهيم غرايبة

الاقتصاد غير المنظم

تم نشره في الأربعاء 19 نيسان / أبريل 2006. 02:00 صباحاً

الدراسة التي أعدها ونشرها مركز الأردن الجديد عن الاقتصاد غير الرسمي في الأردن تلقي ضوءا على قطاع واسع من الاقتصاد الأردني ربما يكون جزء كبير منه مجهولا وغائبا عن التخطيط والإحصاء والتنظيم، ولذلك حسناته وسيئاته بالطبع.

لكن المعرفة بهذا القطاع من الاقتصاد تشكل مدخلا أساسيا لتفعيل الحياة الاقتصادية وفق قواعد وأطر تطوره وتنميته، وأخشى من عبارة تنظيمه لأن إخضاعه للتنظيم يعني أيضا مزيدا من القيود والضرائب، ولكن كيف يمكن رفع كفاءة هذا القطاع؟ وكيف يمكن الحفاظ على حقوق العاملين في هذا المجال وتدريبهم والارتقاء بخدماتهم وإنتاجهم ودمجهم ومشاركتهم في منظومة التعليم المستمر والتحديث والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي والرعاية العامة؟ وفي الوقت نفسه كيف يترك هذا القطاع من النشاط والعمل ينظم نفسه ويتحرك في السوق بكفاءة وبتكاليف ونفقات أقل؟ وكيف يتاح لأوسع قاعدة بل لجميع الناس في الهرم الاقتصادي الدخول إلى السوق والعمل والادخار والإنتاج؟

يشكل الاقتصاد غير الرسمي حوالي ثلث الاقتصاد الأردني، ويساهم بحوالي ربع الناتج المحلي، ويشمل قطاعا واسعا من الأعمال الفردية والمؤسسية التي لا تخضع لقواعد تنظيم العمل الاقتصادي، مثل الأعمال الزراعية والمنزلية والأعمال الإضافية، والصيانة، والخدمات المختلفة مثل النقل والوساطات التجارية والعقارية، والتجارة غير المنظمة مثل البيع على الأرصفة أو وفق وسائل فردية (تجار الشنطة) أو من خلال أعمال فردية محدودة في أثناء السفر وبالاتصالات الفردية والشخصية، والتعليم الخصوصي.

وهناك قطاع أكثر تنظيما، لكنه يعتبر غير رسمي، مثل المؤسسات الصغيرة التي لا تخضع للضمان الاجتماعي ولكن هناك مؤسسات متوسطة وكبيرة تسلك حيلا قانونية مثل ترخيص الفروع على أنها مؤسسات مستقلة، وذلك لأهداف ضريبية ولأجل عدم الالتزام ببعض قوانين العمل والضمان الاجتماعي.

وترافق الكثير من المشكلات والتجاوزات الاقتصاد غير المنظم، مثل استغلال العاملين وتشغيل الأطفال، وتسويق المسروقات، والتهميش الاجتماعي والمهني، ومحدودية فرص الارتقاء الحرفي والمهني، وغياب السلامة الصحية والمشاركة في برامج الادخار والتأمين، لكنها جميعها مشكلات يمكن حلها بدون المساس بهذا القطاع الذي يتضمن كثيرا من الإبداعات والقصص الطريفة، وفي أحيان كثيرة يواكب التقنية والتطور المهني أكثر من الاقتصاد المنظم، وبخاصة مع تطور شبكات الإنترنت والاتصال والأجهزة التقنية الصغيرة، مثل الحاسبات وآلات النسخ وأجهزة العمل والصيانة المختلفة.

يجب أن تنتقل برامج الضمان الاجتماعي والتأمين بمختلف أنواعه لتشمل جميع المواطنين بدون ارتباط بمؤسسات العمل. وقد بدأ يتاح المجال للمواطنين للمشاركة الطوعية في هذه البرامج، ولكن غياب ثقافة الادخار والنظرة بعيدة المدى للمصالح والمخاطر والاحتمالات تقلل كثيرا من فاعلية هذه البرامج، وقد يكون ثمة ضرورة لتطوير القوانين والتشريعات لدفع المواطنين نحو المشاركة وإلزامهم بذلك.

وربما يكون أهم من ذلك وأجدى إنشاء صناديق وطنية للمشاركة في أعباء الضمان والتأمين للمواطنين غير القادرين أو الذين يعملون في القطاعات غير المنظمة، فتتولى هذه الصناديق جزءا من أقساط الضمان والتأمين كما تفعل المؤسسات للعاملين لديها، وقد يشجع ذلك قطاعا واسعا من المواطنين الذين يعملون في الزراعة والاقتصاد غير المنظم والعاطلين عن العمل للمشاركة في هذه البرامج، ويعطي مبررا لإلزامهم بالتدريج.

ويمكن للتوسع في إنشاء الجمعيات والاتحادات المهنية أن يطور ويستوعب الاحتياجات التدريبية والتكافلية للعاملين في هذه القطاعات، وتحتاج الاتحادات والجمعيات والنقابات العمالية القائمة بالفعل إلى مشاركة وفاعلية أوسع لتحقيق مثل هذه المكاسب لمنتسبيها. فكثير من هذه الاتحادات والنقابات والجمعيات غائبة تماما عن هذا الدور، وبعضها مثل اتحاد المزارعين ونقابات السواقين تمثل شريحة واسعة وممتدة في المجتمع والاقتصاد، ولكنها ليست في العير ولا النفير.

[email protected]

التعليق