صناعة النخب!

تم نشره في الثلاثاء 18 نيسان / أبريل 2006. 02:00 صباحاً

النخب السياسية والاجتماعية في اي دولة هي المؤثرة في المسار العام، والنخب ليست "منتجا" تتم صياغة مواصفاته من خلال (كتالوج)؛ فهي انتاج حراك المجتمع وثقافته، لكن مؤسسات الدولة من حكومات ومجتمع واحزاب ونقابات تساهم في صناعة النخب بأساليب ووسائل مختلفة.

الحكومات تقدم للمجتمع قيادات عبر المواقع الحكومية وما يتم تعيينه في كل السلطات، والاحزاب تقدم رموزا وقيادات، وكذلك العشائر والنقابات والعائلات وحتى الجمعيات الخيرية, فنحن نتحمل مسؤولية من نفرزهم لتمثيل الدولة لهيئاتها الرسمية والشعبية، وما نفعله بأيدينا ونتاج مواقفنا ومصالحنا او نفاقنا بغياب الأسس أقل بكثير مما تتركه القوانين والتشريعات بما فيها قانون الانتخابات.

وإذا توقفنا عند السلطة التنفيذية ومن يمثلها من النخب، فسنجد امامنا مشكلة حقيقية، ومن ظواهرها الشكوى الدائمة التي يظهرها اصحاب القرار من الصالونات السياسية او الاشخاص الذي يغادرون المواقع الوظيفية. هذه الصالونات التي تضم رجالات دولة ومسؤولين سابقين كبارا تمثل مصدر ازعاج للحكومات وصناع القرار؛ لأنّهم يرون فيها مراكز للنميمة والاشاعات والتشويش والاقاويل, وعضوية هذه الصالونات متحركة فقد تخرج منها مؤقتا من يعود إلى موقع، وهكذا فهي تشهد حراكا دائما.

البعض تقوم علاقته مع الدولة على اساس ما يأخذ من امتيازات ومواقع، ويشعر أنّ ذهابه إلى البيت ظلم لحق به، ويتحول كل حماسه للتبرير والدفاع اثناء عمله إلى حماس لنقد ما هو قائم وتصيد أخطاء الحكومات. وحتى نكون منصفين فإنّ لدينا نخبا تمتلك قناعات واحدة بغض النظر عن مواقعها, كما أنّ الظواهر السلبية لا تعود إلى الأشخاص فحسب، وإنّما الى قواعد العلاقة بين السلطة التنفيذية ومن تراهم رجالاتها.

ومن النخب أيضا مجالس النواب حيث تحرص السلطة التنفيذية على امتلاك قاعدة لها في كل مجلس نواب، لكن السؤال هل تبني الحكومات لها قواعد سياسية في مجالس النواب، ام منظومة علاقات مؤقتة قائمة على المصالح والامتيازات والاسترضاء؟  وهؤلاء يتحولون احيانا إلى مصدر إعاقة لمشاريع الحكومات وتوجهاتها، ولو كانت القاعدة "سياسية" لكان الحوار والتهذيب والتعديل يتم بين الحكومة وقاعدتها تماما مثلما يتم داخل اي اطار موحد او تجمعه قواسم مشتركة، لكن نسبة كبيرة من هذه الأسس قائمة على رمال متحركة، فمن يحسب نفسه على الدولة يتوقع أن يحظى بتسهيلات وخدمات، وحتى اللغة "المصلحية" التي تجلب بعض المواقف المؤيدة فإنها مؤقتة ولا تصلح لكل القضايا.

ولو تحدثنا عن الانتخابات النيابية القادمة، فإنّ السؤال: هل لدى السلطة التنفيذية مسار لامتلاك خياراتها داخل المجلس؟ ولا نتحدث - هنا- عن اي فعل غير مشروع او تدخل مخالف للقانون، او دعم على حساب الشفافية، لكن من المعلوم أنّ لكل حكومة رغبة في أن يكون لها انصار في كل مجلس, وهذا يحدث دائما، لكن المشكلة المتكررة وبنسب مختلفة أن السلطة التنفيذية تمارس اختيارات غير مناسبة، وربما عليها البحث عن اشخاص اكثر حضورا ومصداقية قادرين على تمثيل الناس، وحمل توجهات الدولة - وليس الحكومات- لكن ضمن احترام لعقولهم وخياراتهم, فالصورة النمطية للنائب او العين المحسوب على جماعة الدولة لم تعد قادرة على خدمة الناس ولا الدولة ولا حتى الحكومات.

وما ينطبق على السلطة التنفيذية ينطبق ايضا على الاحزاب والقوى الاجتماعية، فأحيانا نجد في خيارات القوى السياسية اشخاصا لا تجد تفسيرا لوجودهم الا الواسطة وموازين القوى داخل هذا الحزب او ذاك، او محصلة تحالفات داخلية، ولهذا فالتقييم الموضوعي لنواب الأحزاب يظهر لنا أنّهم ليسوا جميعا يمثلون أفكارهم وقواعدهم وليسوا قادرين حتى على الاداء الروتيني.

صناعة النخب مثل خطوط الانتاج في المصانع إذا ظهر الخلل في أي مرحلة تكرر ورافق كل المراحل.

[email protected]

التعليق