هل فرنسا غير قابلة للإصلاح؟

تم نشره في السبت 15 نيسان / أبريل 2006. 02:00 صباحاً

   بدأ كل شيء منذ عام مضى مع الرفض الفرنسي في الاستفتاء على الدستور الأوروبي. ثم عادت القضية إلى البروز في الخريف الماضي مع موجة العنف التي اجتاحت الضواحي. والآن عادت فرنسا مرة أخرى إلى شد انتباه العالم في ظل مظاهرات الشوارع التي استمرت لأسابيع متصلة احتجاجاً على قانون "عقد العمل الأول" الذي اقترحه رئيس الوزراء دومينيك دوفيلبان لمواجهة ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب.

   هذه المجموعة الثلاثية من الأحداث، على الرغم من الاختلاف فيما بينها، إلا أنها تصور في مجموعها العديد من السمات الشخصية المتأصلة في الحياة الاجتماعية في فرنسا.

   ففي إطار الحدث الأول، وجدت فرنسا صعوبة في التأقلم مع مطالب العولمة. وبعيداً عن الاستياء المعتاد الناجم عن المشاكل الاقتصادية، فقد جاء الاستفتاء الفاشل الذي جرى في شهر مايو أيار 2005، معبراً عن رفض قسم عريض من جمهور الناخبين في فرنسا للأنظمة التي تفرضها سياسات الاتحاد الأوربي والتي تضمن حرية انتقال الناس والسلع ورأس المال، وبالتالي انتقال السبق في عالم المنافسة الاقتصادية. وعلى نحو مماثل، كان انفجار أعمال العنف في الضواحي أثناء الخريف الماضي، انعكاساً لإحباط الشباب المرتبكين الذين يواجهون الخيارات الكالحة التي يعرضها الاقتصاد الحديث على هؤلاء الذين ينقصهم التدريب المناسب والتعليم اللائق.

   وسنجد الشباب أيضاً في قلب آخر الاحتجاجات، لكن جمهور الساخطين هذه المرة يشتمل على كافة فئات الشباب الفرنسي، بما في ذلك خريجي الجامعات. وفي محاولة لمكافحة هذا القانون أو العقد، يعبرون عن رفضهم لحياة غير مستقرة خارج النموذج الفرنسي للأمن الوظيفي الذي تمتع به آباؤهم في ظل اقتصاد مختلف إلى حد كبير.

   وهناك سمة فرنسية خالصة تميز كل هذا، فعلى الرغم من أن القواعد الاقتصادية للعبة قد تغيرت في كافة أنحاء أوروبا خلال العقدين الماضيين، إلا أن الحاجة إلى إيجاد سوق عمالة أكثر مرونة وجدت القبول بسهولة أكبر في أغلب الدول الأوروبية الأخرى.

   ففي أسبانيا، وفي ظل حكومة اشتراكية، يعمل حوالي ثلث العاملين المأجورين بعقود مؤقتة؛ بل وترتفع هذه النسبة بين الشباب. وفي إيطاليا، قدمت حكومة برودي في عام 1997 قدراً أعظم من المرونة فيما يتصل بالتوظيف، ثم تعززت هذه المرونة في ظل قانون "بياجي" في عام 2003.

   في ألمانيا أيضاً، يتضمن اتفاق الائتلاف بين الديمقراطيين الاجتماعيين والديمقراطيين المسيحيين فقرة تقضي بمد فترة اختبار العاملين من ستة أشهر إلى عامين، وخلال تلك الفترة يمكن فصل الموظف دون إبداء أسباب أو تفسيرات، ويتبنى قانون دوفيلبان لعقد العمل الأول الفترة نفسها. ومما يبدو أن قوانين التوظيف الجديدة في كل هذه الدول الأوروبية قد لاقت القبول بين الناس باعتبارها أمراً محتوماً.

   أما في فرنسا، وعلى النقيض من ذلك، فإن تقليد الدعوة إلى سيادة الدولة- الذي لاحظه توكوفيللي ببراعة، والذي يعود إلى نظام الحكم القديم، ويتبناه اليوم الغاليون والإيديولوجيون الاجتماعيون على السواء- يرتبط إلى حد كبير ببغض شديد للقيود التي يفرضها التحرر الاقتصادي. ومنذ قيام الثورة الفرنسية كانت المطالبة الملحة بالمساواة كثيراً ما تنتصر على المخاوف المرتبطة بالحرية. ونتيجة لهذا، فقد أصبح الفرنسيون مغرمين بنظام الضمان الاجتماعي بكل مظاهرة.

   وحتى الإخفاقات الواضحة للنموذج الاجتماعي الفرنسي في البيئة السائدة اليوم - معدلات بطالة هائلة (بلغت 25% بين الشباب)، وعجز ضخم في الميزانية العامة، وتقييد الحركة الاجتماعية- لم تقلل من احترام العامة لهذا النموذج. وقد يكون أكثر منطقية بدلاً من ذلك أن نستمد الإلهام من النموذج الإسكندنافي الذي يتسم "بالمرونة والتأمين"، والذي يجمع بين مرونة التوظيف والتأمين الاجتماعي (ولو على حساب الأعباء الضريبية التي لن تتقبلها فرنسا بسهولة).

   وإذا ما أضفنا إلى كل هذا ميل الفرنسيين إلى المواجهة الإيدلوجية وغياب ثقافة التفاوض والتسوية، وانعدام الإجماع، فإننا نستطيع أن نفهم السبب الذي يجعل الكثير من مشاريع الإصلاح تنتهي إلى لا شيء في ظل احتجاجات الشوارع. ولقد ربط أغلب المراقبين بشكل تلقائي بين الاضطرابات الأخيرة وبين تلك التي وقعت في شهر مايو أيار 1968، والتي ما زالت تحظى بافتتان غريب بين الفرنسيين. لكن الحقيقة أن الظاهرتين لا تشتركان في شيء باستثناء البرهنة على تفضيل الفرنسيين لسياسات الشوارع.

   هل نستطيع أن نقول إذاً إن فرنسا غير قابلة للإصلاح؟ كلا بكل تأكيد. فقد شهدت الدولة تحولاً عميقاً خلال العقود الأخيرة. وسواء كان ذلك راجعاً إلى تفكيك الاحتكارات العامة، مثل الكهرباء، والغاز، والاتصالات، بل وحتى مكتب البريد، أو استبدال التجنيد الإلزامي بشكل من العسكرية أكثر احترافاً، أو الإصلاحات في مجال المعاشات، فقد تغيرت فرنسا على نحو أعمق كثيراً من الاعتقاد السائد. ويصدق هذا بصورة خاصة على الشركات الفرنسية، التي نجحت على نحو ملحوظ في التكيف مع متطلبات المنافسة الدولية.

   ولكن ما زال هناك الكثير من العمل: فالنظام التعليمي بالكامل، حتى المستوى الجامعي، يحتاج إلى إصلاح جاد، والعديد من المحظورات بشأن قوانين التوظيف، والضمان الاجتماعي، وأداء الدولة لوظائفها، لابد وأن توضع موضع التساؤل والمراجعة. والحقيقة أن ما أظهرته تجربة قانون عقد العمل الأول، ليس أن الإصلاح مستحيل، بل أن الإصلاح لا يمكن أن يفرض من جانب واحد. فلابد من استغراق الوقت الكافي للشرح، والمشورة، والتفاوض. وفي مجتمع مثل المجتمع الفرنسي الذي يتسم بالشكوك حول المستقبل والحاجة الملحة إلى استعادة الثقة بالذات، فإن الوقت المستغرق في بناء الإجماع وتأسيس الشرعية اللازمة للإصلاحات المستقبلية لن يذهب هباءً بكل تأكيد.

رافييل هاداس ليبيل مؤلف كتاب "مائة وواحد كلمة عن الديمقراطية الفرنسية"، وهو عضو في مجلس الدولة وأستاذ بمعهد العلوم السياسية في باريس. ووجهات النظر الواردة هنا تعبر عن آرائه الشخصية.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق