ميخائيل جورباتشوف ونهاية الحرب الباردة

تم نشره في الجمعة 14 نيسان / أبريل 2006. 02:00 صباحاً

   في وقت قريب من الأيام الماضية احتفل ميخائيل جورباتشوف بذكرى مولده الخامسة والسبعين، فأقام حفلاً موسيقياً ومؤتمراً في مؤسسته التي تحمل اسمه في موسكو. ولكن مما يدعو للأسف أنه لا يحظى بشعبية كبيرة لدى الشعب الروسي، الذي يحمله مسؤولية ضياع القوة السوفييتية. ولكن كان هذا هو رد جورباتشوف على هؤلاء الذين يرفعون أصواتهم عالياً وهم يسبونه: "تذكروا أنني الذي أعطيتكم الحق في رفع أصواتكم".

   حين اعتلى السلطة في عام 1985 حاول جورباتشوف أن يهذب من سلوكيات الشعب السوفييتي ويعيد إليه الانضباط كوسيلة للتغلب على الركود الاقتصادي. وحين فشلت محاولات التهذيب في حل المشكلة، أطلق ما أسماه بالبريسترويكا (الإصلاح وإعادة البناء). وحين عارض البيروقراطيون أوامره على نحو لا ينقطع، استخدم ما أسماه بالجلاسنوست، أو الحوار المفتوح والتوجه نحو الديمقراطية. لكن بمجرد أن سمحت الجلاسنوست للناس بالتعبير عن آرائهم وأفكارهم، سارع العديد من الناس قائلين: "نريد الخروج من هذا". وبحلول شهر ديسمبر 1991 كان الاتحاد السوفييتي قد زال من الوجود.

   لقد ساهمت سياسة جورباتشوف الخارجية، التي أسماها "التفكير الجديد"، أيضاً في إنهاء الحرب الباردة. وكان يقول إن الأمن لعبة يستطيع الجميع أن يستفيدوا منها عن طريق التعاون. وبدلاً من محاولة تصنيع أكبر عدد ممكن من الأسلحة النووية، أعلن مبدأ "الكفاية" واحتفظ من هذه الأسلحة بالعدد الأدنى الضروري للحماية. كما كان يعتقد أن الهيمنة السوفييتية على إمبراطورية في شرق أوروبا أمر باهظ التكاليف ولا يعود إلا بأقل القليل من الفائدة. كما كان على قناعة بأن غزو أفغانستان كان بمثابة كارثة فادحة الثمن.

   بحلول صيف عام 1989 حصلت شعوب شرق أوروبا على المزيد من الحرية. ورفض جورباتشوف قانوناً يسمح باستخدام القوة لإخماد المظاهرات. وفي شهر نوفمبر من نفس العام كان سور برلين قد سقط.

   كانت بعض هذه الأحداث ناجمة عن حسابات خاطئة من جانب جورباتشوف. فقد كان جورباتشوف يرغب في إصلاح الشيوعية لا استبدالها. لكن هذه الإصلاحات أدت إلى التعجيل بثورة كانت نابعة من القاعدة وليست مرتبة من قمة النظام. وبينما كان يحاول إصلاح الشيوعية تسبب في إحداث ثقب في جدارها. كان الأمر شبيهاً بحدوث ثقب في سدٍ، وبدأت الضغوط التي كانت حبيسة في الإفلات، فوسعت الثقب وانهار النظام بالكامل.

   في المقابل، لو كانت اللجنة السياسية التنفيذية في الحزب الشيوعي قد اختارت أحد منافسي جورباتشوف المتشددين في عام 1985، لكان من المحتمل أن يتأخر انهيار الاتحاد السوفييتي عقداً آخر من الزمان. ما كان ينبغي للنظام أن ينهار بهذه السرعة. لقد أسهمت إلى حد بعيد هذه المحاولات الإنسانية غير البارعة من جانب جورباتشوف في تحديد توقيت الانهيار.

   ولكن ثمة أسبابا أكثر عمقاً لزوال الإمبراطورية السوفييتية. كانت القوة "الناعمة" للأفكار الليبرالية من بين هذه الأسباب. ولقد ساعدت الاتصالات والاحتكاكات العابرة للحدود والقوميات في انتشار هذه الأفكار، بينما أضفى نجاح الاقتصاد الغربي تأثيراً جذاباً على هذه الأفكار. بالإضافة إلى ذلك، كانت ميزانية الدفاع السوفييتية الضخمة قد بدأت في تقويض جوانب أخرى من حياة المجتمع السوفييتي، فقد تدهورت الرعاية الصحية، وارتفعت معدلات الوفيات (الدولة المتقدمة الوحيدة التي يحدث فيها شيء كهذا). وأخيراً، أصبح الجميع، حتى العسكريون، مدركين لهذا العبء الثقيل الذي يفرضه التوسع الإمبراطوري المفرط.

   في النهاية نستطيع أن نقول إن أعمق أسباب الانهيار السوفييتي كانت تتلخص في انحدار الإيديولوجية الشيوعية والفشل الاقتصادي. وكان من المحتم أن يحدث ما حدث حتى من دون جورباتشوف. ففي بدايات الحرب الباردة كانت الشيوعية، وبالتالي الاتحاد السوفييتي، تتمتع بقدر معقول من القوة الناعمة، حيث قاد العديد من الشيوعيين المقاومة ضد الفاشية والاستبداد في أوروبا، واعتقد كثيرون أن الشيوعية كانت موجة المستقبل.

   لكن القوة الناعمة السوفييتية أصيبت بالوهن والضعف بعد فضح جرائم ستالين في عام 1956، وبسبب الأعمال القمعية في المجر عام 1956، وفي تشيكوسلوفاكيا عام 1968، وبولندا عام 1981. وعلى الرغم أن الشيوعية تسعى نظرياً إلى إنشاء نظام قائم على العدالة الطبقية، إلا أن ورثة عرش لينين عمدوا إلى صيانة القوة الداخلية من خلال إنشاء جهاز أمن وحشي لا يتورع عن قتل غير المرغوب فيهم، واشتمل على معسكرات العمل الإجباري، والرقابة الموسعة، ونشر المخبرين في كل مكان. وكانت المحصلة النهائية لكل هذه الإجراءات الوحشية، انعدام الثقة في النظام.

   في ذات الوقت، عكس انحدار الاقتصاد السوفييتي اضمحلال قدرة التخطيط المركزي على الاستجابة للتغييرات الاقتصادية العالمية. لقد أسس ستالين اقتصاد سلطة يركز على التصنيع الثقيل والصناعات الضخمة، الأمر الذي جعل النظام الاقتصادي جامداً لا يتمتع بأي قدر من المرونة.

   كما أشار الاقتصادي جوزيف سكومبتر فإن الرأسمالية عبارة عن "دمار إبداعي"، وسيلة للاستجابة بمرونة للموجات الكبرى من التغيير التكنولوجي. فبحلول نهاية القرن العشرين كان التغيير التكنولوجي العظيم الذي حملته إلينا الثورة الصناعية الثالثة يكمن في الدور المتنامي للمعلومات باعتبارها المورد الأكثر ندرة في أي اقتصاد. وكان النظام السوفييتي يفتقر بصورة خاصة إلى البراعة في التعامل مع المعلومات. ذلك أن السرية العميقة للنظام السياسي كانت تعني بطء تدفق المعلومات وتعثرها.

   مع نهاية القرن العشرين أدت العولمة الاقتصادية إلى حالة من الاضطراب العظيم في كافة أنحاء العالم، لكن اقتصاد السوق الغربي كان قادراً على إعادة توزيع العمالة على الخدمات، وإعادة هيكلة صناعاته الثقيلة، والتحول إلى أجهزة الحاسب الآلي. أما الاتحاد السوفييتي فقد عجز عن ملاحقة التطور.

   حين تولى جورباتشوف السلطة في عام 1985 كان إجمالي عدد الحاسبات الآلية الشخصية في الاتحاد السوفييتي لا يتجاوز خمسين ألف حاسب، وفي نفس الوقت كان العدد في الولايات المتحدة قد وصل إلى ثلاثين مليون. وبعد أربعة أعوام كان عدد الحاسبات الآلية في الاتحاد السوفييتي قد بلغ أربعمائة ألف حاسب، وأربعين مليون في الولايات المتحدة. وطبقاً لتقدير أحد خبراء الاقتصاد السوفييت في نهاية الثمانينيات، فإن 8% فقط من الصناعة السوفييتية آنذاك كانت قادرة على المنافسة على الصعيد العالمي. وبطبيعة الحال، من الصعب أن تظل دولة ما تشكل قوى عظمة بينما لا يرغب العالم في شراء 92% من منتجاتها.

   إن الدروس التي يتعين علينا أن نتعلمها اليوم واضحة. فعلى الرغم من أهمية القوة العسكرية، فمن الخطأ بالنسبة لأي دولة أن تستخف بالدور الذي تلعبه القوة الاقتصادية والقوة الناعمة. ولكن من الخطأ أيضاً أن نقلل من أهمية الزعماء الذين يناضلون من أجل قيم إنسانية. ربما كان مصير الاتحاد السوفييتي محتوماً، لكن العالم لا يستطيع أن ينكر فضل جورباتشوف في زوال الإمبراطورية التي كان يشرف عليها دون دمار وصراعات دموية.

جوزيف س. ناي أستاذ بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب "القوة الناعمة: السبيل إلى النجاح في السياسة العالمية".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق