المسموح فقط لاسرائيل

تم نشره في الخميس 13 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

تتسارع في هذه الايام المفاوضات بين الأحزاب والكتل البرلمانية الاسرائيلية حول تشكيل الحكومة الجديدة، برئاسة زعيم حزب "كاديما"، رئيس الحكومة الحالية ايهود اولمرت، وتتركز المفاوضات، حسب ما هو معلن، حول "الخطوط العريضة" للحكومة، أي برنامج عملها. وعلّمت التجربة السابقة ان الخطوط العريضة لم تكن عائقا جديا أمام حزبين اختارا الشراكة في حكومة واحدة، وغالبا ما يتم استخدام البرنامج المتفق عليه لاحتياجات العلاقات العامة في اسرائيل، ويبقى تطبيقه لاحقا رهن المساومات الحزبية المختلفة، حسب التطورات الجديدة التي تواجهها الحكومة خلال عملها.

ولكن ما يلفت النظر في هذه المفاوضات هو انهراق حزب "كاديما" على ضم اكثر الاحزاب اليمينية تطرفا وعنصرية، "يسرائيل بيتينو"، بقيادة المتطرف افيغدور ليبرمان، الذي يعلن جهارا انه معني بالتخلص من اكثر ما يمكن من الفلسطينيين في اسرائيل، من خلال مشاريع تطرح اشكالا مختلفة للتطهير العرقي، وتلقى الصمت في الساحة الاسرائيلية، باستثناء بعض التحفظات الخجولة، وايضا هي للاستهلاك الاعلامي لا أكثر، وكل هذا بتواطؤ مباشر من حزب "العمل"، بزعامة عمير بيرتس، الذي يحسب نفسه على يسار الخارطة السياسية في اسرائيل.

فحتى الآن ليس واضحا ما إذا سيتم ضم هذا الحزب، "يسرائيل بيتينو"، للحكومة، لأن زعيمه معروف بتشدده وسعيه الى اثارة القلاقل في الحكومة في جميع الاتجاهات، كما علّمت التجربة ابان حكومتي اريئيل شارون، وهذا ما يعرفه بالضبط ايهود اولمرت، المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، ويعرف ايضا ما سيسببه له ليبرمان على الصعيد الشخصي في رئاسته للحكومة، وقد تكون المفاوضات للاستهلاك الاعلامي، ولكي لا يُسجل على اولمرت انه أبعد كل كتل اليمين المتطرف عن طاولة الحكومة، ولكن مجرد منح شرعية الدخول الى الحكومة، ناهيك عن مشاركته في الانتخابات اصلا، على اساس برنامج عنصري متطرف، يطرح سلسلة من الاسئلة حول جدية السياسة الرسمية الاسرائيلية، التي تزعم انها لا توافق على سياسة الطرد الجماعي للعرب.

ففي الانتخابات البرلمانية المنتهية شاركت اربع قوائم انتخابية تدعو جهارا الى طرد العرب من وطنهم، وحصلت هذه القوائم مجتمعة على 533 الف صوت، فازت منها قائمتان، الاولى "يسرائيل بيتينو" والثانية "هئيحود هليئومي"، وحصلتا معا على 506 آلاف صوت، ويضاف الى هذه القوائم الأربع حزب الليكود الذي يتواطأ مع سياسة الطرد، ولديه اعضاء يؤيدون هذه السياسة جهارا، وقد حصل الليكود على 282 الف صوت، بمعنى ان حوالي 815 الف مصوت في اسرائيل، 26% من المصوتين، دعموا احزابا تدعو الى طرد العرب، وهؤلاء ليسوا وحدهم، بل هناك نواب في احزاب صهيونية ودينية أخرى يدعمون هذا التوجه، فمثلا بالامكان الإشارة إلى نائب في حركة "شاس" الدينية، كان مقربا من حركة كهانا الارهابية، ومثله في قوائم أخرى.

كذلك فمن خلال الحملة الانتخابية ارتكزت برامج القوائم الاربع على الاقل على دعوات عنصرية مثل "تطهير" البلاد من العرب، والتحريض الدموي عليهم، فمثلا، أكثر من مرّة أعلن العنصري ليبرمان انه سيسعى للحصول على حقيبة الأمن الداخلي (الشرطة) "لمعالجة العرب" حسب تعبيره، وتسريع عمليات هدم البيوت العربية في داخل اسرائيل، بحجة البناء غير المرخص، ولم تعمل أي من المستويات القضائية في اسرائيل لوقف حملات التحريض، التي بالامكان اعتبارها "مدرسة" لجميع الاحزاب والحركات العنصرية في العالم، لا بل هي "مثل يحتذى به".

ومن المثير للسخرية ان المستشار القضائي للحكومة الاسرائيلية فطن قبل ثلاثة ايام فقط، بالتحقيق في الدعاية الانتخابية لحزب الارهابي باروخ مارزل، "الجبهة القومية اليهودية"، رغم ان دعوات وجهت له في خضم الحملة الانتخابية، وهي قائمة لم تجتز نسبة الحسم في الانتخابات، ولكنها حصلت على 25 الف صوت.

بعيدا عن الحلبة الانتخابية، فقد دلّ بحث علمي لإحدى المؤسسات الاسرائيلية التي تعنى بمظاهر العنصرية، على أن 40% من اليهود في اسرائيل يؤيدون سياسة اسرائيلية رسمية تشجع العرب على الهجرة، ومسألة "التشجيع" تفهم في عدة اتجاهات، فمنها الطرد بالقوة، او انتهاج سياسة عنصرية في صلبها التجويع والافقار والحرمان من الارض، وهذا في غالبه مطبق منذ 58 عاما، وغيرها من الوسائل.

وأكثر من ذلك، فقد دلّ آخر مسح أجري في احد معاهد جامعة حيفا الاسرائيلية، على ان 30% من اليهود في اسرائيل يتفهمون الدعوات لطرد العرب من وطنهم، ولو أن جزءا بسيطا من هذه النسبة موجود في احدى دول العالم، كنا سنسمع أي مصير ستلقاه هذه الدولة.

امام كل هذا المشهد الخطير، نذكر أنّ اسرائيل لا تتوقف عن التدخل في شؤون الأحزاب والحكومات الأخرى في شتى الاماكن في العالم، فقد سعت، مثلا، الى فرض الحظر على حكومة كورت فالدهايم النمساوية، في سنوات الثمانين، وقاطعت الحكومة ذاتها قبل سنوات بحجة ضمها النائب المتطرف هايدر، وتتدخل في وتائر متسارعة حتى عند وجود نواب متطرفين في برلمانات العالم، خاصة الاوروبية منها، ولا تكف عن اطلاق الاوصاف على مثل هذه الاحزاب من ارهابية وغيرها. اكثر من ذلك، فإنها ترى نفسها طليقة في التعليق على تركيبات حكومات وبرلمانات عربية، وفي احيان كثيرة نجد تواطؤا معها عند بعض اطراف الحلبة الدولية.

وتقيم اسرائيل ومعها الوكالة الصهيونية طواقم لمحاربة ما يسمى بـ "اللا سامية" في العالم، وهو المصطلح الذي جعلت منه اسرائيل خشبة القفز للتدخل في شؤون الدول الأخرى، وحتى انها تستخدمه ضد كل من يعارض سياستها الاجرامية، وسياسة التمييز العنصري الموثقة في كتاب قوانينها، وإذا ما تابعنا جوهر بعض القوانين في عدة دول في العالم، المتعلقة بمحاربة ما يسمى بـ "اللا سامية"، نجد خلطا كبيرا بين اعتداءات على ابناء الديانة اليهودية في تلك الدول، وبين المناهضة لسياسة اسرائيل العنصرية.

اليوم تتكشف اسرائيل اكثر فأكثر في عنصريتها، في مجرد سعيها لاستيعاب واحد من اكثر العنصريين شراسة الى حكومتها، ليبرمان وحزبه "يسرائيل بيتينو"، فما هو ممنوع على العالم، مسموح بكثرة في اسرائيل، اشد المتباكيات عالميا، من مظاهر العنصرية.

فما كان بالامكان انتشار مظاهر العنصرية في اسرائيل الى هذا الحد الخطير، لولا التربة الخصبة التي اوجدتها السياسة الاسرائيلية على مدى 58 عاما، وهذا ايضا انعكاس للتربية والثقافة داخل المجتمع. فالمواطن اليهودي في اسرائيل ينشأ في بيئة وامام سياسة تعلمه منذ البدء انه صاحب تفوق وتعالٍ على الآخرين، وقلائل منهم الذين يفلتون من هذه العقلية العنصرية، ليشكلوا مجموعات يسارية محاطة في بحر من العنصرية، وهذا أحد اسباب التأتأة في خطاب اليسار الصهيوني، في مواجهة السياسة العنصرية الرسمية.

كاتب وصحافي من الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق