"حماس" ين الخيط الأسود والخيط الأبيض

تم نشره في الأحد 9 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

   من غير الطبيعي أن يُعاقب الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزّة على الانتصار الذي حقّقته "حماس" في الانتخابات الأخيرة للمجلس التشريعي الفلسطيني، وهو انتصار مكّنها من تشكيل حكومة برئاسة السيّد اسماعيل هنيّة أحد قياديي الحركة في الداخل. كلّ ما في الأمر أن الشعب الفلسطيني مارس الديمقراطية، ولا يوجد أدنى شكّ في أن الانتخابات التي جرت في الخامس والعشرين من كانون الثاني- يناير الماضي كانت انتخابات نزيهة وشفّافة في آن، عكست نبض الشارع الفلسطيني.

   لا بدّ من الاعتراف بأن الادارة الأميركية أصرّت على اجراء الانتخابات ومارست ضغوطاً شديدة من أجل ألاّ يكون هناك أي تأخير في موعدها. كانت الإدارة محقّة في ذلك، لكنّ عليها تحمّل نتائج القرارات التي تتخذها وذيول هذه القرارات بما في ذلك وصول "حماس" الى تشكيل حكومة.

   هل كانت الإدارة الأميركية تخطط عن سابق تصوّر وتصميم لانتصار تحققه "حماس" يؤدي الى استكمال عملية تعطيل القرار الفلسطيني... أم أنها كانت تجهل تماماً مزاج الشارع في الضفة والقطاع في تلك الأيام؟

في كلّ الأحوال ما هو أكيد أن عدداً لا بأس به من القياديين الفلسطينيين توقّع انتصاراً  لـ"حماس" في الانتخابات. وما يؤكد ذلك أن جميع اعضاء اللجنة المركزية لـ"فتح" كانوا مع تأجيل الانتخابات. وحده "أبومازن" أصرّ على أجرائها في موعدها لايمانه بأن على الشعب الفلسطيني تحمّل مسؤولياته من جهة وبسبب الإصرار الأميركي على احترام  موعد الانتخابات من جهة أخرى.

   هناك الآن واقع جديد في فلسطين لا يمكن التهرّب منه. يتمثل بوجود حكومة لـ"حماس" يرفض العالم التعاطي معها. والمعني بالعالم الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وحتى دولة كبيرة مثل الصين تتردد حالياً حيال استقبال وزير الخارجية الفلسطيني الجديد الدكتور محمود الزهّار الذي يمكن أن يصلح لأي شيء ما عدا للمهمّات الديبلوماسية. كيف التعاطي مع هذا الواقع؟ هل يمكن لحكومة "حماس" خدمة القضية الفلسطينية أم أن هذه الحكومة ستستخدم في خدمة المشروع الاستعماري الاسرائيلي الجديد الذي يستهدف رسم حدود دولة اسرائيل من جانب واحد. إنه المشروع الذي وضعه أرييل شارون والذي يبدو أن خليفته أيهود أولمرت على استعداد لمتابعة تنفيذه. بالنسبة الى الاسرائيليين، إنه المشروع الوحيد الذي يؤمنون به في هذه الأيام، بدليل أنه أوصل أولمرت الى موقع رئيس الوزراء خلفاً لشارون.

   من الزاوية الفلسطينية والعربية إنّه مشروع في غاية الخطورة. وما يفترض أن تتنبه إليه "حماس" هو أنه يمكن أن تُستخدم في عملية تنفيذ هذا المشروع نظراً إلى أنها لا تزال ترفع شعار أن لا مفاوضات مع إسرائيل.

   نعم "حماس" على حقّ عندما تقول مع أي إسرائيل تريدون أن نتفاوض. هل مع اسرائيل 1967 أو مع إسرائيل 1973 أو مع إسرائيل أرييل شارون التي ترفض، أي شكل من الأشكال، العودة إلى حدود ما قبل حرب 1967؟ نعم هناك منطق فيما تطالب به "حماس"، لكنّ حدود هذا المنطق تتوقف عند عرض موازين القوى.

   الأكيد أن الجيش الفلسطيني لا يطوق تل أبيب، بل إن الاحتلال الإسرائيلي هو الذي يطوّق نابلس ومدن الضفة وقراها ويدخل اي بيت يشاء في أحدى كبريات مدن الضفة الغربية ساعة يشاء ذلك. هذه هي موازين القوى القائمة التي يفترض في حركة مثل "حماس" التعاطي معها من دون مواربة ومن دون أي نوع من التحفّظات التي لا تقدّم ولا تؤخر.

هناك واقع لا مفرّ من التعاطي معه اسمه الاحتلال الإسرائيلي. هل يمكن ازالة هذا الواقع بالقوة، أم لا بدّ من اعتماد الدبلوماسية.

   الآن باتت "حماس" في السلطة، وباتت أمام خيارات واضحة. إنّها لحظة الحقيقة بالنسبة الى الحركة التي استطاعت تحقيق انتصارٍ انتخابي على "فتح". لكنّ لحظة الحقيقة لا تغني عن اتخاذ مواقف حقيقية ذات علاقة بمصلحة الشعب الفلسطيني. إضافة الى ذلك، لحظة الحقيقة تفرض على الحركة القول هل هي مع حلّ يقوم على فكرة الدولتين أم على الاستمرار في النضال من أجل إقامة دولة واحدة على أرض فلسطين، أي تحرير فلسطين من البحر الى النهر ومن النهر الى البحر؟

   ان العالم يريد أجوبة واضحة من حكومة "حماس" وليس أجوبة بعضها للاستهلاك الخارجي والبعض الآخر للاستهلاك الداخلي. بكلّ بساطة، اقتربت "حماس" من لحظة الحقيقة. وبكلام واضح كلّ الوضوح، هل تمتلك الحركة، التي استطاعت للمرة الأولى في التاريخ العربي ايصال حركة الأخوان المسلمين الى تشكيل حكومة عبر الطرق الديمقراطية، وليس عبر الانقلابات العسكرية كما حصل في السودان في العام 1989 ، أجندة خاصة بها؟ ومعنى الأجندة الخاصة بها، أجندة لا علاقة لها سوى بمصلحة الشعب الفلسطيني؟

   في حال كانت "حماس" قادرة على ذلك، ليس أمامها سوى السعي الى فهم ما يجري في العالم بدل البقاء في أسر المحور الأيراني- السوري، ذلك أنه ليس صدفة أن تتردد دولة مثل الصين في استقبال وزير الخارجية الفلسطيني الجديد. وليس صدفة أن تصدر عن وزير الخارجية الجديد إشارات متناقضة في شأن اعتماد خيار الدولتين على أرض فلسطين.

   أكثر من ذلك، ليس من حقّ رئيس الوزراء الفلسطيني، في حال كان يريد أن يكون بالفعل مسؤولاً عن مصير الشعب، تسهيل مهمّة الاحتلال عبر الاعتراض على قرار الرئيس الفلسطيني القاضي بتولي السلطة الفلسطينية مسؤولية الأمن عند نقاط العبور في غزة.

   الخيار في هذا المجال واضح: إما أن تتولى السلطة الوطنية - ممثلة بالرئاسة- الأمن عند نقاط العبور، خصوصاً عند معبر رفح الذي يشرف عليه مراقبون أوروبيون، وإما أن تغلق إسرائيل المعبر بموافقة أوروبية. عندئذٍ ستتحوّل غزة إلى سجن كبير لا أكثر ولا أقلّ. هل هذا ما تريده "حماس" وهل تمتلك خياراً آخر غير خيار الاشراف الأوروبي على معبر رفح؟

   في النهاية؛ الأكيد أنه لا يحق لأي طرف معاقبة الشعب الفلسطيني على ممارسته حقّه الديمقراطي بإيصال "حماس" الى حيث وصلت، لكن ليس من حق الحركة "الإسلامية" تجاهل طبيعة الظروف التي أوصلتها الى حيث هي. على رأس هذه الظروف النقمة الشعبية على ممارسات "فتح" وقيادييها في السنوات العشر الأخيرة من عمر السلطة الوطنية الفلسطينية. هذه الممارسات هي التي أوصلت "حماس" الى السلطة، وعلى الحركة الإسلامية ألاّ تنسى ذلك في أي وقت من الأوقات، ولا حتى في أي لحظة من اللحظات. عليها في النهاية أن تمتلك أجندة فلسطينية كي تقول للفلسطينيين الى أين هم ذاهبون.

   وإلى إشعار آخر، لا وجود لبرنامج سياسي واقعي سوى ذلك الذي أوصل "ابومازن" الى موقع رئيس السلطة الوطنية. إنه برنامج يأخذ في الاعتبار المعطيات الفلسطينية والإقليمية والدولية بغض النظر عن شخص "أبو مازن" وما له وما عليه.

   الخوف الآن من أن يؤدي تردد "حماس" في قبول هذا البرنامج الى إضاعة مزيد من الوقت لا يصب للأسف الشديد سوى في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي، وفي مصلحة الذين يستخدمون الشعب الفلسطيني في معارك لا مصلحة له فيها. هل تفيق "حماس" من الغيبوبة التي دخلت فيها بعد انتصارها الانتخابي قبل فوات الأوان؟ أم تلعب الدور المرسوم لها في تجويع الشعب الفلسطيني من أجل تطويعه في خدمة المشروع الاستعماري الإسرائيلي؟

   الخيار واضح. هل "حماس" حركة فلسطينية تمتلك قرارها المستقل، أم أنها جزء من محور أقليمي وامتداد له. الجواب خلال أسابيع. سيتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض قريباً. هل في استطاعة "حماس" الدفاع عن القرار الفلسطيني المستقل أم لا؟

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق