"دولة كرتونية": من قال ذلك؟!

تم نشره في الأحد 2 نيسان / أبريل 2006. 02:00 صباحاً

بائسة ومثيرة للشفقة تلك المقولة بأن دولة ما هي "غير كرتونية" و"راسخة مثل الجبال" عندما تستخدم هذه المقولة لمنع الآخرين (أو للتشكيك بأن للآخرين أجندات لا تخدم البلد) من نقاش المستقبل وكيف يمكن أن تؤثر التطورات في الاقليم على هذه البلد.

هناك مجموعة تطمح للوصول إلى المناصب الوزارية أو للعودة الى تلك المناصب وتعطي انطباعا بأنها من داخل مطبخ القرار السياسي وهي ابعد ما تكون عن ذلك. تحاول هذه المجموعة التصدي لمحاولات التفكير للتهديدات التي قد يتعرض لها الوطن، وكأن التفكير رجس من عمل الشيطان والعياذ بالله، أو كأن الدولة ترتعد خوفا من مجرد نقاش موضوع له علاقة بالأمن الوطني! والأمرّ من ذلك أن البعض يوحي بأنه يتكلم باسم الدولة! ويستخدم اساليب بالية وغير منفتحة في النقاش. فيكثر الحديث عن قدرة الأردن للتصدي لأي مؤامرة وأن الأردن صامد بالرغم من كل محاولات النيل به. ونحن نتفق مع ذلك، ولم يكن موضع شك بتاتا. فالدولة لا شك راسخة وهناك نظام اجتماعي اقتصادي يحمل الدولة ويعطيها قوة ثبت ذلك عندما وقف الاردن موقفه المشهود ضد "حفر الباطن". وعندما حوصر الأردن بعد تلك الموقعة وقف أبناؤه واجتاز الأردن المحنة.

لكن ثمة خطورة واضحة من وضع الرؤوس في الرمال والاختباء خلف مقولة ان الأردن ليس "دولة ورقية" ولا تهزه الرياح. هناك تطورات في الاقليم تؤثر على مستقبل الأردن. ويجب طرح ذلك للنقاش العام وخلق خيارات أردنية في حال تحقق السيناريو الأسوأ. هكذا تعمل الدول الكبرى ولا تختبئ خلف مقولة الدولة الكرتونية. ففرنسا بالتأكيد لم تكن دولة ورقية بل كانت دولة عظمى، بمعنى الكلمة، عندما احتلتها ألمانيا بأقل من اسبوع! والعراق لم تكن دولة كرتونية عندما تم احتلالها بلمح البصر. وعلى الكتاب والمثقفين تقع مهمة التفكير في الخيارات المستقبلية ولا يمكن أن نقتنع بمقولة أن الدولة تقوم بكل شيء وكفى الله المؤمنين شر القتال!

لدى بعض النخب الأردنية ميل لمصادرة الآخرين حتى حرية التفكير. فمجرد طرح بعض المواضيع والأفكار يعتبر خطا أحمر. ولا نعرف من يضع الخطوط الحمراء! وأغرب ما رأيت في الأردن أنه وفي احدى الندوات طالب بحماس منقطع النظير أحد أساتذة العلوم السياسية شطب رأي كنت قد أبديته من المحضر (وهو رأي بالمناسبة يعبر عن قطاع واسع من الأردنيين، وسبق وأن كتبت عنه بشكل موسع ولم أزج بالسجن نتيجة لذلك). لم أعرف أنه كان هناك محضر. كان هذا التصرف دليل على عدم التسامح مع الرأي الآخر وتعبير عن بنية ذهنية تسلطية قمعية. والأمر المثير  أن هذا الاستاذ، الذي يعتقد أنه يحمي المصالح الأردنية، لا يدرك أن الجهة التي يؤيدها بحماس منقطع النظير لها برنامج يتعارض مع مصلحة الاردن في الحل على أساس دولتين، ويبدو انه لا يدرك أيضا أن الأردن لا يقيم علاقات مع تلك الجهة!

أعود للتطور المثير في الإقليم وهو فوز كاديما. فلا يمكن التقليل من شأن فوز هذا الحزب وقدرته على ترجمة برنامجه الانتخابي الذي يتعارض مع المفهوم الأردني للأمن الوطني الأردني. ولا يمكن للآخرين مصادرة حقنا في التفكير لما نعتقد أنه لصالح الأردن. وهذه دعوة مرة أخرى للنخب الأردنية لمناقشة الأمر ليس فقط للعن الظلام وإنما لإضاءة شمعة.  

hassan.barari@alghad.jo

التعليق