اسرائيل أمام مرحلة "ضبابية"

تم نشره في الخميس 30 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

دلّت النتائج شبه النهائية للانتخابات البرلمانية الإسرائيلية على عدة مؤشرات سياسية واجتماعية وحزبية، ولكنها من المجمل العام تعكس حالة التخبط الشديدة داخل الشارع الإسرائيلي، من جهة، واتساع ظاهرة اللامبالاة الناجمة ايضا عن حالة التخبط من جهة أخرى، واكبر دليل على هذه الحالة فشل استطلاعات الرأي في التوقع الدقيق لنتائج الانتخابات، رغم غزارتها اسبوعيا طوال اربعة أشهر.

وتنطلق اسرائيل من هذه الانتخابات نحو مرحلة المجهول، التي قد تعمق حالة الجمود السياسي في المنطقة، وما قد ينجم عنها من أخطار وانفجارات مستقبلية. فقد أسفرت الانتخابات الاسرائيلية عن سلسلة نتائج ومدلولات تحتاج كل واحدة منها إلى معالجة خاصة بها، ولكن القراءة الأولى تتعلق بنسبة التصويت المنخفضة، فلأول مرة في تاريخ اسرائيل تنخفض نسبة التصويت إلى 63%، في حين كانت في الانتخابات الماضية 69%، وهي ايضا نسبة غير مسبوقة في حينه، إذ كان المعدل العام لنسب التصويت في الانتخابات البرلمانية حتى انتخابات العام 1999 يتراوح ما بين 77% الى 82%.

وفي دولة طبيعية من دون أزمات وصراعات سياسية، محلية وإقليمية، تظهر نسبة 63% على أنّها عالية، مقارنة مع نسب التصويت في دول العالم، ولكن هذه النتيجة في اسرائيل هي تعبير عن "أزمة"، فبعد 58 عاما على قيامها تجد اسرائيل نفسها في دوامة أغرقت نفسها فيها، فكل الخيارات والمخططات التي أوهمت شعبها بها، على صعيد آفاق حل الصراع العربي- الإسرائيلي سقطت، وهذا ما يقود إلى حالة من اليأس في اسرائيل والبحث عن بدائل لا يجدها الناخب فيما هو مطروح، وينعكس هذا في تشبثه بأحزاب موسمية تظهر فجأة تحت بريق الأضواء الإعلامية، وتختفي بسرعة البرق، وهذا ما يجري منذ العام 1992 وحتى اليوم بكثافة.

فالمواطن في اسرائيل يشعر اكثر، في السنوات الأخيرة، بفقدان قوة تأثيره على المؤسسة السياسية وعدم ثقته بها، إلى جانب عدم قناعته المتصاعدة بالخطاب السياسي المعلن، وهذا ما يقود إلى انخفاض نسبة المشاركة في العملية الانتخابية.

أما على صعيد النتائج السياسية في اسرائيل، فقد اختار الناخب الإسرائيلي برنامج اللابرنامج، فحزب "كاديما" الذي سيقود الحكومة القادمة يطرح برنامجا سياسيا غير واضح المعالم والتفاصيل، وهذا ما يؤكده العديد من المحللين الإسرائيليين.

برنامج "كاديما" يطرح مسألة "الحل أحادي الجانب"، كخيار وليس كبرنامج تفصيلي، إنه يعلم ان أي تفصيل سيطرحه لبرنامج كهذا سيلقى معارضة شديدة من كل الأطراف في اسرائيل، وأيضا في الطرف الفلسطيني، مع تحفظات في الأسرة الدولية، ويوقع "كاديما" نفسه في دوامة سياسية تؤثر على وضعيته الانتخابية، ولكن هناك شك في ما إذا هناك إجماع داخل "كاديما" نفسه على مثل هذه التفاصيل.

وهذا لا يقتصر على حزب "كاديما" بل ايضا لدى الشريك الأكبر، المتوقع، في الحكومة القادمة، حزب "العمل"، الذي ليس لديه رؤية واضحة للحل السياسي. فخلافا لما كان يطرحه سابقا، وفي محاولة منه لكسب أصوات من مركز الخارطة السياسية عاد هذا الحزب إلى خطاب "التأتأة" الذي يتميّز به، فقد أعلن انه يقبل بخيار "الحل أحادي الجانب"، في حال لم يجد شريكا للمفاوضات في الجانب الفلسطيني، وسيتوصل الى هذه النتيجة المصطنعة بسرعة، ليتأقلم مع الواقع الجديد في اسرائيل، ويثبّت مكانته في حكومة ايهود اولمرت. وسيغلف "العمل" مواقفه السياسية بسعيه إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية- الاجتماعية والخروج من الأزمة الاقتصادية التي لا يزال يعاني منها الشارع الاسرائيلي، رغم معدلات النمو الاقتصادي المعلنة، التي لا تزال تخدم كبار أصحاب رؤوس المال في اسرائيل.

وفي الأيام القادمة ستتضح هذه الصورة أكثر من خلال تحركات رئيس الحكومة بالوكالة، ايهود اولمرت، الذي سيتم تكليفه، على الأغلب، بتشكيل الحكومة القادمة، ففي الكنيست الاسرائيلي الجديد ظهرت حالة حزبية معقدة جدا، سيكون للكتل الثلاث الناشطة بين فلسطينيي 48 التأثير الحاسم، وستكون نتيجتهم النهائية - التي ستظهر ظهر اليوم الخميس- تسعة مقاعد، مقسمة بالتساوي بينهم، فمعارضتهم لحكومة يمين متطرف، بقيادة "الليكود" و"يسرائيل بيتينو" و"هئيحود هليئومي- المفدال"، ستلتقي مع معارضة "كاديما" و"العمل" و"ميرتس"، التي حصلت مجتمعة على 53 مقعدا، وقد ترتفع اليوم بمقعد او اثنين، وبذلك يكون لهذه الكتل الست 64 مقعدا من أصل 120 مقعدا في الكنيست الإسرائيلي.

وهذا المشهد كان في العام 1992، حين اضطرت الكتلتان اللتان مثلتا فلسطينيي 48 إلى دعم حكومة يتسحاق رابين من الخارج، وهي الحكومة التي دفعت بالعملية السياسية الى الأمام، ومن المستبعد ان تعلن الكتل الثلاث دعمها لحكومة اولمرت، إلا أن اولمرت سيستفيد من معارضتها الشديدة لحكومة يمين متطرف، وبالتالي سيستفيد اولمرت من الوضع الناشئ لاجتذاب الكتلتين الدينيتين، "شاس" و"يهدوت هتوراة" إلى حكومته مع مقاعدهما الثمانية عشر، ليشكل اولمرت بذلك حكومة ثابتة للفترة القادمة.

وعلى الصعيد الحزبي، فقد شهدنا في هذه الانتخابات انهيارات غير مسبوقة بحجمها وكثرتها، وفي المقابل ظهور كتل بشكل مفاجئ، والنتيجة الأبرز هي انهيار حزب الليكود - الذي عاد في حجمه إلى ما كان عليه في مطلع سنوات الخمسين من القرن الماضي، مع بدايات اسرائيل، وحين كان اسمه حزب "حيروت"-  وذلك على أثر الانشقاق الذي واجهه قبل أقل من ستة أشهر، ونجم عنه تشكيل حزب "كاديما"، وكان الليكود حصل في الانتخابات الماضية على 38 مقعدا.

أصبح حزب "الليكود" اليوم الكتلة الخامسة، وهذا أيضا نتيجة أن "الليكود" بزعامة بنيامين نتنياهو نافس في هذه الانتخابات على أصوات اليمين المتطرف، حيث واجه "يسرائيل بيتينو"، بقيادة المتطرف افيغدور ليبرمان، الذي قفز دفعة واحدة من 4 مقاعد الى 12 مقعدا، وحزب هئيحود هليئومي- المفدال"، وأبعد الليكود بذلك عن دائرته مئات آلاف المصوتين من مركز الخارطة السياسية.

ولهذه النتائج ايضا مداولات اجتماعية، فلأول مرة تصل الى الكنيست قائمة تمثل مصالح المتقاعدين اجتماعيا، ففي حين كانت استطلاعات الرأي تتوقع عدم عبور هذه القائمة نسبة الحسم وهي 2%، فقد حصلت على حوالي 6% بحصولها على سبعة مقاعد، وحتى الآن ليس من الواضح الطبيعة السياسية للنواب الجدد، من كبار السن، ولكنهم وصلوا الى الكنيست بأجندة اجتماعية تسعى الى تحسين الأوضاع الاقتصادية- الاجتماعية للمتقاعدين، الذين تصل نسبتهم في دائرة الفقر إلى ضعفين وأكثر من نسبتهم من بين السكان. وأمام حالة التشرذم الحاصلة في الكنيست، إلى جانب حالة التعاطف الجماهيري مع قضايا المتقاعدين، فعلى الأغلب ستنجح هذه الكتلة في فرض أجندتها الاقتصادية على أي حكومة يتم تشكيلها.

وتشكل نتيجة المتقاعدين صفعة لحزب "العمل" وزعيمه عمير بيرتس، الرئيس السابق لاتحاد النقابات العامة في اسرائيل، الذي لم ينجح في إقناع الشارع الاسرائيلي ببرنامجه الاقتصادي- الاجتماعي، بينما نجح حزب "المتقاعدين" بهذه النتيجة دفعة واحدة، رغم ضعف إمكانيات هذا الحزب الذي لم يكن ممولا في الحملة الانتخابية (يحصل الآن على تمويل)، وعدم وجود تنظيم قوي يسانده، فاستعان بطلبة الجامعات والجيل الشاب لإدارة حملته الانتخابية المتواضعة.

أما على صعيد الشارع العربي، فقد حدث هناك تراجع إضافي في نسبة المقترعين فهبطت النسبة من 63% في الانتخابات السابقة الى 58% في هذه الانتخابات (بين اليهود 64%)، وهذا ايضا مرتبط بالأجواء العامة في اسرائيل، وبقسط قليل جدا مرتبط ببعض الدعوات لمقاطعة الانتخابات.

ونجحت الكتل الثلاث التي تمثل فلسطينيي 48 من تحسين تمثيلها من ثمانية مقاعد الى عشرة، وقد يكون اليوم خطر فقدان المقعد الرابع الذي حصلت عليه القائمة العربية الموحدة، برئاسة الشيخ ابراهيم صرصور، بعد فرز أصوات الجنود، لتبقى على ثلاثة مقاعد، وعدد مماثل لكل من الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة برئاسة النائب محمد بركة، والتجمع الوطني الديمقراطي برئاسة النائب عزمي بشارة.

تجد اسرائيل نفسها، اليوم، أمام برلمان مشرذم، مكون من 12 كتلة نيابية تتقاسم في ما بينها 120 مقعدا، في حين أن الكتلة الأكبر لم تنجح حتى في الوصول إلى ربع عدد المقاعد، ومن أبرز معالم البرلمان ازدياد حدة التقاطب في داخل السياسة الاسرائيلية فتعزز قوة كتلتي اليمين المتطرف من 13 مقعدا الى 22 مقعدا، سيزيد من حدة الخطاب السياسي.

كذلك فإن عدد الشركاء في الحكومة القادمة سيكون كبيرا، وعلّمت التجربة انه كلما ازداد عدد الشركاء في الحكومة الواحدة ازدادت التناقضات الداخلية فيها، الأمر الذي ينعكس على استقرار الحكومة.

كاتب ومحلل سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق