لماذا ترفض إسرائيل الجيش في جنوب لبنان؟

تم نشره في الجمعة 24 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

لا يستطيع أي لبناني تجاهل التضحيات التي قدمتها المقاومة الأسلامية ممثلة بـ"حزب الله". هناك شباب استشهدوا وهذا يفرض الانحناء أمام ما قدموه خدمة لقضية آمنوا بها. الا أن ذلك لا يمنع في هذه الأيام من طرح أسئلة من نوع آخر تتعلق مباشرة بوجود قوات غير نظامية في جنوب لبنان ومخاطر ذلك على مستقبل البلد من كل النواحي أي سياسياً واقتصادياً وانمائياً وحتى حضارياً.

على من يريد التأكد من أن أسرائيل معنية بعدم ذهاب الجيش اللبناني إلى الجنوب العودة قليلاً الى الوراء، وتذكر مرحلة في غاية الأهمية، بل مرحلة مفصلية في التاريخ اللبناني الحديث. تعود تلك المرحلة الى أواخر العام 1975 حين أعطت الإدارة الأميركية ضوءا أخضر إسرائيليا، نعم إسرائيليا، بموافقتها على دخول القوات السورية الأراضي اللبنانية لاحتواء الوضع المتدهور في البلد وعدم تحوله الى نزاع اقليمي.

يروي الدبلوماسي الأميركي الذي رافق المبعوث الذي أرسلته واشنطن الى لبنان أواخر العام 1975، وكان يدعى دين براون، تفاصيل ما فعله الأخير في لبنان. يضحك هذا الدبلوماسي الذي لا يزال حياً يرزق وقد تقاعد قبل سنوات من عمله الرسمي بعد ما شغل موقع سفير بلاده في غير عاصمة عربية، لدى سؤاله عن صحة ما يقوله بعض السذج عن أن براون عرض الاتيان ببواخر لتسفير مسيحيي لبنان. لا يكتفي بالضحك، بل يقهقه طويلاً ويتساءل من أين جاء بعض السياسيين اللبنانيين بهذه المخيلة الخصبة؟ وبعد حفلة الضحك الطويلة، يشرح الدبلوماسي الأميركي حقيقة مهمة دين براون التي بدأت باستدعاء وزير الخارجية الأميركي هنري كيسينجر للرجل الذي عُرف بأنه رجل المهمات الصعبة والخطيرة وتكليفه التوجه الى لبنان. حصل ذلك، على الرغم من أن دين براون كان ترك الخارجية الأميركية فبل أسابيع عدة من استدعاء كيسينجر له، وعلى الرغم أن العلاقة بين الرجلين لم تكن جيدة، أذ أن براون لم يكن شديد الأعجاب بكيسينجر.

استناداً الى الدبلوماسي الأميركي، الذي رافق دين براون الى لبنان، اقتصرت مهمة المبعوث الأميركي على كسب الوقت لا أكثر. وقال كيسينجر لدين براون بالحرف الواحد: كنت أعتقد أن المشاكل في لبنان التي بدأت في 13 نيسان-أبريل 1975 ذات طابع محلي. لذلك، لم أعرها ما يكفي من الاهتمام. كنت في الواقع منهمكاً بمعالجة ذيول الانسحاب من فيتنام، لكني اكتشفت قبل أيام أن المشاكل اللبنانية يمكن أن تتحول نزاعاً اقليمياً. كل ما أريد منك أن تفعله هو الذهاب الى لبنان والتظاهر بأن الأميركيين يحاولون التحرك، وذلك كي يتوفر لي الوقت الكافي لاستيعاب الوضع. واستخدم كيسينجر عبارة "اخلق أكبر كمية من الدخان" بغية اعطاء انطباع بأن هناك دبلوماسية أميركية نشطة.

وذهب دين براون الى لبنان، يرافقه الدبلوماسي الأميركي، الشاب وقتذاك، وراحا يجولان على السياسين اللبنانيين. وعندما انتهت لائحة الزيارات التي حملاها، زارا شخصيات لبنانية معينة غير مرة من أجل كسب الوقت ليس الا، والسماح لكيسينجر بايجاد طريقة تحول دون تحول المشاكل في لبنان الى نزاع اقليمي.

بعد عودة دين براون الى واشنطن، وبعدما فكر وزير الخارجية الأميركي طويلاً في مخرج، وجد أن الحل الأفضل يتمثل بالسماح للجيش السوري بدخول الأراضي اللبنانية، والسيطرة على القوات الفلسطينية التي كانت دخلت في مواجهات مع الميليشيات المسيحية. في البداية، كان كيسينجر يريد أن يصل الجيش السوري الى خط الهدنة بين اسرائيل ولبنان، كي يعم الهدوء في المنطقة على غرار ما هو حاصل في الجولان، خصوصاً انه رعى في العام 1974اتفاق فك الاشتباك بين سورية واسرائيل. وقد اعتبر كيسينجر هذا الاتفاق من بين انجازاته الدبلوماسية. لكن من الذي اعترض على احتمال وقف العمليات الفلسطينية من جنوب لبنان؟ يجيب الدبلوماسي الأميركي أن اسرائيل سارعت الى الاعتراض وأصرت على بقاء الفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان وعلى الآ يتجاوز السوريون جسر الأولى. كل ما في الأمر أن اسرائيل تجد مصلحة في استمرار التوتر في جنوب لبنان، وفي عدم سيطرة الجيش اللبناني عليه. لذلك وضعت "الخطوط الحمراء" التي التزم بها السوريون بدقة متناهية.

هذا ما حصل في الماضي، وهذا ما يتكرر اليوم. ممنوع على الجيش اللبناني أن يذهب الى جنوب لبنان، لأن اسرائيل تريد ذلك لا أكثر ولا أقل. انه وضع يناسب اسرائيل التي لا تريد ان ينعم لبنان بالهدوء والاستقرار. فهل هناك من يريد مواجهة الحقيقة؟ هل هناك من يرى الاستفادة من تجارب الماضي القريب؟ الجواب أن بعض اللبنانيين لا يريدون أن يتعلموا كيفية مواجهة إسرائيل حضارياً وليس بالعراضات المسلحة التي لا تلحق الضرر سوى بلبنان...

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المقاومة هي الكرامة (خالد درويش)

    الاثنين 27 آذار / مارس 2006.
    نعم للمقاومة التي حررت ارضنا وسوف نفدي المقاومة في دمائنالا لهذاالكاتب نعم والف نعم للمقاومة