أزمة الديمقراطية في تايلاند

تم نشره في الجمعة 17 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

بعد عام واحد من إعادة انتخابه بأغلبية ساحقة، وجد ثاكسين سيناواترا رئيس وزراء تايلاند نفسه مجبراً على حل مجلس النواب والدعوة إلى عقد انتخابات مبكرة. وعلى الرغم من أن حزبه "تاي راك تاي" (TRT) يحتل 75% من مقاعد مجلس النواب، إلا أن ثاكسين محاط بالانتقادات من كل جانب. ومع أنه يتمتع بشعبية هائلة بين أهل الريف وفقراء المدن، الذين يشكلون 60% من الجمهور الانتخابي في تايلاند، إلا أنه ظل يقاوم تمرداً شديداً ضد حكمه في بانكوك من قِـبَل المفكرين والمثقفين وأهل الطبقة المتوسطة.

فهم يتهمون ثاكسين، أكثر رجال الأعمال ثراءً في تايلاند، بالفساد والخيانة بعد أن باع شركة شين التي تمتلكها عائلته في صفقة معفاة من الضرائب إلى شركة تيماسيك القابضة التابعة لحكومة سنغافورة بمبلغ 1.9 مليار دولار أمريكي. والحقيقة أن التراجع السريع لمنزلة ثاكسين على الصعيد السياسي تشهد على قصور صناديق الاقتراع، علاوة على النقائص ومواطن الضعف التي تحيط بالديمقراطية والتي أصبحت الآن تبتلي عدداً من الدول النامية، ومنها بعض الدول المجاورة لنا في الإقليم مثل الفلبين.

حتى عهد قريب كان ثاكسين يبدو خارج دائرة الشك والجدال في بلاده بقدر ما كان جريئاً وجديراً بالثقة في الخارج. وكان ثاكسين، باستغلال الانقسام العميق في تايلاند بين المناطق الحضرية والريف، قد اكتسح منافسيه على السلطة بتبني برنامج انتخابي شعبي للغاية. فقد حرك مشاعر الكبرياء الوطنية ووعد أهل الريف في تايلاند بأن تنهض بلادهم وتحتل مكانة عظيمة بين الدول في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي ألمت بآسيا في عام 1997.

نجح ثاكسين في ترسيخ دعائم حكمه طيلة فترة ولايته الأولى لمدة أربع سنوات بتبني توجهات شعبوية لسياساته. ولقد تراوحت هذه التوجهات ما بين تعليق ديون القرويين وتوفير الرعاية الصحية الشاملة بتكاليف زهيدة، إلى منح كل قرية من قرى تايلاند التي يبلغ عددها 77 ألف قرية حوالي 25 ألف دولار كتمويل لمساعدة تلك القرى على البدء في تأسيس مشاريع تجارية. وعلى نحو يذكرنا بإستراتيجيات التنمية السائدة في شرق آسيا، اختار ثاكسين الصناعات الإستراتيجية المهمة لدفع عملية التوسع الاقتصادي في تايلاند، فركز على صناعة السيارات، والأزياء، والأغذية، والرعاية الصحية، والسياحة.

وفيما يتصل بالشؤون الخارجية فقد اكتسب ثاكسين حيزاً خاصاً به على المسرح الدولي في ظل خطط التعاون الإقليمية الطموحة التي أرسيت حول برامج واتفاقيات مثل اتفاقية حوار التعاون الآسيوي (ACD) المؤلفة من خمسة وعشرين دولة، واتفاقية أيايوادي-تشاو فارايا-ميكونج للتعاون الاقتصادي (ACMECS)، وعدد من اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية مع القوى الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة، والصين، واليابان، والهند، وأستراليا.

كانت اتفاقية حوار التعاون الآسيوي مصممة بحيث تجعل من تايلاند مركز ثقل على الصعيد السياسي في منطقة جنوب شرق آسيا؛ أما اتفاقية أيايوادي- تشاو فارايا- ميكونج للتعاون الاقتصادي فقد كانت مصممة بحيث تجعل من تايلاند محوراً للتنمية الاقتصادية؛ وكان من شأن الاتفاقيات الثنائية أن ترسخ العلاقات مع أكبر اللاعبين في المنطقة. وحين بلغ ثاكسين أوج نشاطه نظر الكثيرون إليه باعتباره الرجل الجدير بخلافة رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد، الذي دعم سلطته في الداخل من خلال الحكم الشمولي، وفي الخارج عن طريق الزعامة الواثقة.

في شهر فبراير 2005 أعاد الناخبون ثاكسين إلى السلطة بأغلبية ساحقة. لكن هذه الشعبية الشخصية بدأت في التضاؤل منذ ذلك الوقت، بسبب الانفجار المفاجئ لأعمال العنف من قِـبَل الانفصاليين في الجنوب الذي تسكنه أغلبية مسلمة، وبسبب تفشي الفساد. أما الخطايا التي تغاضى عنها الشعب التايلاندي أثناء فترة ولاية ثاكسين الأولى، بداية من التحرش بأجهزة الإعلام وقهر هيئات المجتمع المدني، إلى عمليات قتل تمت خارج إطار النظام القضائي في إطار حملة ضد المخدرات وصراعات المصالح التي استفادت منها إمبراطورية شيناواترا للاتصالات التي يملكها، فقد باتت تلاحقه الآن.

كانت صفقة البيع المشبوهة لمؤسسة شين في فبراير الماضي سبباً في انفجار السخط الذي ظل يختمر طويلاً. ولقد اعتبرت تلك الصفقة بمثابة مثال مصغر لفساد ثاكسين البارع المعقد وخيانته لالتزاماته القومية المعلنة، وبهذا استنفد سلطته الأخلاقية وشرعيته السياسية. كانت قيمة هذه الشركة قد تضاعفت بما يعادل أربعة أمثال قيمتها الأصلية أثناء حكم ثاكسين، علاوة على أصول أخرى مثل أقمار بث المحطات الفضائية، وشركة لخدمات الهاتف النقال، وشركة خطوط جوية، كانت جميعها قد تأسست بموجب امتيازات ممنوحة من الدولة بشرط أن تكون ملكيتها إلى أغلبية من الشعب التايلاندي. وفي نظر خصوم ثاكسين ومنافسيه، فإن بيع هذه الأصول إلى شركة أجنبية تمتلكها حكومة أجنبية كان بمثابة ضربة موجهة إلى اقتصاد تايلاند في مقتل.

من الواضح أن أيام ثاكسين في السلطة أصبحت معدودة، فما يبدو أن تايلاند تعد العدة لإقالة رئيس وزراء أتى إلى السلطة بأغلبية شعبية. ومنذ ذلك الوقت تضخمت أعداد احتجاجات الشوارع من عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف. وهذه الورطة التي يواجهها ثاكسين تصور لنا العرف المتبع في سياسات الدول النامية حيث ينتخب القرويون الحكومات ثم يعمل على إسقاطها النخبة من أهل المدن.

الحقيقة أن التحالف القائم الآن ضد ثاكسين لن يرضى بأقل من طرده من منصبه، وإبعاده نهائياً عن عالم السياسة في تايلاند، بل وربما نفيه إلى خارج البلاد. لكن المعارضة قررت مقاطعة الانتخابات المبكرة التي من المرجح أن يفوز بها حزب ثاكسين مرة أخرى بأكثرية كبيرة، وذلك لأن ثاكسين نجح في التلاعب بالمؤسسات التي أنشأها الدستور لحماية البلاد من استغلال السلطة والكسب غير المشروع، ومن أجل دعم الفصل بين السلطات في الدولة.

بهذا تكون السياسة في تايلاند قد وصلت إلى طريق مسدود. وعلى ما يبدو أن الخروج من هذه الورطة لن يتأتي إلا بتدخل من الملك بيوميبول آدولياديج الذي يحظى باحترام وتوقير الشعب التايلاندي. ففي هذه المعركة الشرسة الدائرة بين ثاكسين وخصومه، يشكل الملك بيوميبول الفارق الجوهري بين تايلاند والفلبين، حيث تؤدي ثورات "القوى الشعبية" على نحو منتظم إلى تقويض سلطة الرؤساء، بل وعزلهم في بعض الأحيان. وإن التدخل من جانب الملك من شأنه أن يضع نهاية غير مشروطة للمواجهات الدائرة في الشوارع.

لكن الشعب التايلاندي لا ينبغي له أن ينظر إلى الملك المسن المريض انتظاراً للحل كلما عرضت له مشكلة. فضلاً عن ذلك، فإن التدخل الملكي قد يهدد بإعادة تايلاند إلى نقطة الصفر فيما يتصل بمساعيها الرامية الى إعادة كتابة الدستور بهدف علاج النقائص ونقاط الضعف التي تحيط بثقافتها الديمقراطية.

إن ما تحتاج إليه الديمقراطية في تايلاند من أجل بلوغ مرحلة النضوج لا يتلخص في إنشاء شبكة أمان سياسية، بل في العمل على ترسيخ حس المواطنة اليقظ الذي من شأنه أن يضمن التنفيذ الدقيق لنصوص الدستور والأداء المنضبط لمؤسساته، بحيث لا يتمكن أمثال ثاكسين من الاستيلاء عليها مرة أخرى.

ثيتينان بونجسوديراك أستاذ العلوم السياسية بجامعة تشولا لونجكورن في بانجكوك، وهو حالياً زميل بحث زائر بمعهد دراسات جنوب شرق آسيا في سنغافورة.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق