د.باسم الطويسي

دماء الأكاديميين العراقيين

تم نشره في الجمعة 17 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

أضافت المعلومات التي كشفها المؤتمر الصحافي لرابطة التدريسيين الجامعيين في العراق الأسبوع الماضي المزيد من الكآبة على مشهد أحوال البيئة الأكاديمية في العراق. إذ أفادت الرابطة أن نحو (182) استاذاً جامعياً قتلوا منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003م، وتعرض نحو (85) من كبار الأكاديميين للخطف أو لمحاولات الاغتيال، وحسب أرقام أوردها قبل شهور المفكر العراقي المهتم بقضايا حقوق الإنسان الدكتور عبد الحسين شعبان فان حالات الاغتيال تجاوزت (250) عالماً وأكاديمياً عراقياً منذ الاحتلال، إلى جانب هجرة آلاف الأكاديميين الذين اضطروا إلى مغادرة وطنهم تحت ضغوط هائلة يتعرضون لها على أيدي قوات الاحتلال وأطراف أخرى واستمرار أسر واعتقال العشرات من خلفيات علمية وسياسية متعددة.

لا شك ان المشروع العلمي العراقي دشنته نخب علمية مدنية مستقلة؛ هي جزء من نسيج المجتمع المدني العراقي بغض النظر عن مدى ارتباطها بالنظام السابق، وللأسف فان أكثر من (18) ألف أكاديمي وعالم عراقي قد تعرض اكثرهم لانتهاكات وتعديات من الاحتلال واعوانه من جهة، ومن بقايا النظام السابق من جهة أخرى. ولقد لاحظ المتابعون للشأن العراقي منذ بدء الغزو الأميركي الأساليب التي اتبعتها إدارة الاحتلال في التعامل مع المجتمع الأكاديمي، وآخرها ما أعلنت عنه وزارة الخارجية الأميركية، العام الماضي، حول إنشاء المركز الدولي العراقي للعلوم والصناعة بهدف تطويع العلماء العراقيين ومحاصرة ما تبقى منهم، في الوقت الذي شهدت فيه الجامعات والمعاهد العلمية العراقية موجة واسعة من الاختراقات نفذتها مؤسسات ومراكز بحوث أميركية وغربية. في المقابل لم تكلف قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة نفسها حماية عالم أو أكاديمي عراقي واحد من أولئك الذين يعدون أنفاسهم مع كل كلمة يتفوهون بها، حتى أصبحت ظاهرة تصفية وقتل الأكاديميين أو اعتقالهم وأسر آخرين جزءاً من اللعبة السياسية القائمة على شعار الحرب وعنوانها الصدمة والخوف والترويع.

وعلى الرغم من ازدياد إدراك العديد من الجهات في العالم للوضع المؤسف الذي وصل إليه حال المجتمع الأكاديمي العراقي، فان هذه الجهود لم تصل إلى درجة ضغوط حقيقية تستهدف إنقاذ هذه الفئة الهامة المستهدفة بالقتل والترويع أكثر من غيرها، باستثناء جهود متفرقة ومحاولات لا تستمر ولا توفر حالة من التراكم الحقيقي الذي يلفت انتباه العالم لحجم هذه الانتهاكات. ونذكر في هذا الشأن الحملة التي أطلقها الأستاذ الجامعي الأميركي (اندرو روبين) من جامعة جورج تاون تحت عنوان "حملة احتجاج ضد الاغتيال المنظم والخطف والاعتقال والترويع والتهجير الذي يطال الأكاديميين العراقيين"، وفي هذا المجال، تشير دراسة وضعها رئيس المعهد الدولي للقيادة التابع للأمم المتحدة (جيرام ريدي) حول النظام التعليمي في العراق بأن العنف أصبح سمة مميزة للحياة الأكاديمية في العراق، وتكشف الدراسة ان أعمال السلب والنهب والتخريب التي أعقبت الاحتلال أدت إلى تدمير (80%) من البنية التحتية التعليمية والعلمية علاوة على ان أكثر من (40%) من خيرة العقول العراقية قد هاجرت منذ بدء عمليات الحصار.

وبالعودة إلى تقرير رابطة التدريسيين العراقيين الذي نشر الأسبوع الماضي، فان العديد من الحوادث التي تعرض لها الأكاديميون ومؤسساتهم تحت الاحتلال تشير إلى ان عملية إعادة البناء التي يفترض انها نفذت لهذه المؤسسات تتعرض هي الأخرى للانهيار، وهو الأمر الذي ينسحب على النظام التعليمي بأكمله، بعد ما تعرضت له البيئة الثقافية من تدمير مقصود هدف إلى ابادة الهوية الثقافية للعراق المعاصر، واقتلاع جذورها وهو الواقع الذي ترويه مأساة المتحف الوطني العراقي ودار الوثائق والمخطوطات وعشرات المؤسسات الثقافية العراقية الأخرى.

دماء العراقيين جميعاً غالية وعزيزة، لكن دماء هذه الفئة التي تملك الرؤية والبصيرة وتورث المعرفة التي لا يمكن ان تباد أو تدمر، أغلى من دماء السياسيين والعسكر، وحياة علماء العراق وأرواحهم التي آن لها ان تقدر وتُحمى هي التضحية الأغلى في معارك الاحتراب المحتدمة تحت ظلال مدافع الاحتلال.

basim.twissi@alghad.jo

التعليق