إبراهيم غرايبة

المرجعية الشيعية بين الديني والسياسي

تم نشره في الاثنين 13 آذار / مارس 2006. 02:00 صباحاً

بدأت فكرة المرجعية للشيعة في القرن الرابع الهجري دعوية فكرية، ومنذ ذلك الحين والمرجعية الشيعية تراوح ظهورا وتراجعا، أهمية وضمورا، مشاركة في الحياة السياسية أو اعتزالا أو توفيقا حسب البيئة السياسية السائدة.

وقد أراد قادة الشيعة توظيف النفوذ السياسي للبويهيين وحالة التسامح الديني التي سادت في بغداد في إعادة تنظيم أنفسهم فكريا ومذهبيا، وبخاصة مع تنامي المذاهب والأفكار، وبدأت المدرسة الاجتهادية والفكرية الشيعية على يد الشيخ المفيد الذي انتهت إليه رئاسة المذهب الشيعي الإمامي، وقد شغل بإعداد الدعاة والعلماء والفقهاء، ومنهم الشريف المرتضي، وأخوه الشريف الرضي.

وسادت بعد نهاية البويهيين وسيادة السلاجقة الأتراك مرحلة من العداء للشيعة، ثم عادت المدرسة الشيعية إلى النمو بعد انحسار السلاجقة، وكان من رواد هذه المرحلة الخواجة نصير الدين الطوسي الذي أقام صلة بهولاكو، القائد المغولي الذي احتل بغداد، وعمل وزيرا لديه، ووكيلا للأوقاف ومشرفا عليها، وقد اعتنق المغول المذهب الشيعي، وزاد ذلك من الأهمية السياسية للأئمة الشيعة.

وضعفت المرجعية الشيعية بعد انهيار دولة المغول حتى قيام الدولة الصفوية في أوائل القرن السادس عشر التي استعانت بقادة المذهب في جبل عامل في لبنان، فقد كان الصفويون بحاجة لغطاء شرعي في صراعهم مع الدولة العثمانية، فاستدعى الشاه إسماعيل الصفوي رئيس المذهب الشيعي في جبل عامل الشيخ "الكركي" ولقبه بـ"شيخ الإسلام"، وفوضه بسلطة وموارد واسعة، وأعلن في إيران أنه صاحب الولاية المطلقة، وأنه لا يعزل، وإنما الحاكم وكيل له ونائب عنه في إدارة شؤون البلاد، ثم منح لقب"نائب الإمام"، وكان الشاه الصفوي يريد بذلك إنشاء شرعية دينية تواجه الشرعية الدينية العثمانية، والتحق بالكركي عدد كبير من علماء جبل عامل الشيعة، وأسندت إليهم بعده رئاسة المذهب الشيعي في إيران.

وبدأت الحركة العلمية في النجف بالازدهار في القرن الثامن عشر على يد السيد مهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، اللذين هاجرا إلى النجف لإعادة البعث الديني فيها، ومن الطريف أن نسبة كاشف الغطاء للشيخ جعفر تعود إلى كتابه "كشف الغطاء" وامتدت التسمية إلى أسرته وأحفاده حتى اليوم.

وفي هذه المرحلة بدأت الحركة الاستعمارية الغربية وتأثيراتها السياسية والحضارية تزحف إلى المنطقة، ومن أهم الأدوار السياسية والثقافية، ومن أهمها"فتوى التنباك" والتي أدت إلى ثورة شعبية أدت إلى إلغاء الامتيازات الممنوحة لشركة الدخان، وأدت إلى مقتل شاه إيران ناصر الدين عام 1896، والحركة الدستورية"المشروطة" في إيران عام 1905 بقيادة علماء النجف، وظهر العالم النائيني المشهور حتى اليوم بتنظيره الإسلامي لقضايا الحكم الدستوري في كتابه "تنبيه الأمة وتنزيه الملة"

ودخلت الحوزة النجفية في مرحلة جديدة بعد قيام الدولة الحديثة في العراق، فأنشئت أحزاب ومنظمات سرية وسياسية، وكان من أهمها: حزب الدعوة الإسلامية بقيادة السيد محمد باقر الصدر، الذي يعتبر أهم مفكر إسلامي سياسي في المذهب الشيعي بعد الإمام النائيني، ودخلت الحركة الشيعية في مواجهات قوية مع النظام السياسي في العراق.

وأما "قم" التي استوطنها العرب من معارضي الأمويين، فقد بدأت فيها النهضة العلمية الشيعية في أوائل القرن العشرين على يد الشيخ عبد الكريم الحائري، وكان من تلامذته الإمام الخميني، وتكرست أهمية قم بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وتنسب إلى حوزتها نظرية "ولاية الفقيه" على يد الخميني.

وبدأت المرجعية الشيعية العليا في العراق تنزع إلى العلمية واعتزال السياسية عندما ترأسها الإمام الخوئي في أوائل السبعينيات وخليفته السيستاني في أوائل التسعينيات بسبب الظروف السياسية والأحداث التي سادت في العراق وإيران، ولكن الأحداث التي جرت منذ غزو الولايات المتحدة الأميركية للعراق دفعت بالمرجعية الشيعية إلى الواجهة على خلاف وجهة وطريقة تفكير قائدها السيستاني، ويبدو أنه مصر على المضي في هذا المنهج، ولكن مرجعيته تشهد تحديا واسعا من جماعة الصدر ذات النزعة السياسية، وستدخل المرجعية على الأغلب بعده إلى الحياة السياسية من أوسع أبوابها.

[email protected]

التعليق