إسرائيل ترسم حدودها!

تم نشره في الثلاثاء 7 آذار / مارس 2006. 02:00 صباحاً

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية الاسرائيلية بدأت تتضح أكثر الاجندة السياسية الفعلية للأحزاب الكبرى. والعامل المشترك بين هذه البرامج، في هذه المرحلة، هو غياب الدعوة لإجراء مفاوضات مباشرة مع الجانب الفلسطيني، واعطاء وزن أكبر لتنفيذ مخططات احادية تهدف بالاساس الى فرض حدود بين اسرائيل والضفة الغربية من جانب واحد، دون اية مفاوضات، وتعتقد اسرائيل ان ذلك سيمكنها من السيطرة على ما تشاء من اراضي الضفة الغربية، مقابل سحب قواتها من بعض المناطق.

عمليا، فإن تغييب بند المفاوضات في برامج الاحزاب الكبيرة، وعلى رأسها حزب"كديما"، المرشح الاقوى لتشكيل الحكومة القادمة، ظهر بقوة مع صدور النتائج النهائية للانتخابات الفلسطينية والاعلان عن فوز حركة حماس، وما يجري في اسرائيل كان متوقعا.

ففي مطلع الاسبوع الجاري أكدت مصادر اسرائيلية ان المرشح لتشكيل الحكومة القادمة، ورئيس الحكومة بالوكالة الحالي ايهود اولمرت، بدأ يعد العدة "لإقناع" الدول الكبرى المركزية، بالقبول بمخطط اسرائيلي احادي. وتعتمد اسرائيل على ان ادارة جورج بوش ستوافق فورا على المشروع الاسرائيلي، بزعم ان حركة حماس لم تنفذ الشروط والاملاءات الاسرائيلية، وبذلك فإن غياب"الشريك الفلسطيني" اصبح واقعا من وجهة نظر اسرائيلية.

وإذا قبلنا، جدلا، بأن الحكومة الفلسطينية بقيادة حماس ترفض التفاوض مع اسرائيل، فإن المفاوض الرئيسي لاسرائيل منذ اتفاقيات اوسلو هو منظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني في وطنه والشتات. لكن خلال السنوات الماضية، وبسبب ازدواجية المناصب في السلطة الفلسطينية والمنظمة، ظهرت السلطة وكأنها هي المفاوض، فللسلطة دور مركزي في المفاوضات لكونها المنفذ ميدانيا للاتفاقيات في حال ابرامها، ولكن الطرف المقرر يبقى للمنظمة، واسرائيل تعلم هذه الحقيقة ولكنها معنية بتجاهلها، والتمسك بمزاعم غياب"الشريك الفلسطيني" ليتسنى لها تطبيق مخططاتها، فهي ايضا تعلم، ايضا، انها لن تجد أي شريك فلسطيني يقبل بمشروعها الاحتلالي.

فما يطرحه اولمرت اليوم هو المخطط الاصلي لرئيس الحكومة الغارق في غيبوبته اريئيل شارون، وهذا يتأكد، ايضا، فيما"كشف" عنه الرئيس السابق لجهاز المخابرات العامة"الشاباك"، آفي ديختر، المرشح لتولي وزارة الحربية الاسرائيلية، عن مخطط حزب"كديما" للحدود التي يريدها مع الضفة الغربية. وبعد الاطلاع على التفاصيل يتبين ان ما "كشف" عنه ديختر هو ما كان معروفا مسبقا، فكديما يريد الاحتفاظ بسبع كتل استيطانية، اكبرها من حيث المساحة منطقة غور الاردن، لمنع أي ارتباط طبيعي مباشر بين الضفة الغربية والاردن، كما حاولت اسرائيل فعله بين قطاع غزة ومصر حينما أخلت مستوطناتها من القطاع، وتمتد الكتل الاستطانية من جنوب منطقة نابلس وحتى منطقة الخليل مرورا برام الله والقدس وبيت لحم. كما ستحول هذه الكتل الضفة الغربية الى مجموعة كانتونات منفصلة عن بعضها البعض.

الأمر الذي بات واضحا هو ان حزب"كديما" سيكون الحزب الاول المرشح لتشكيل الحكومة القادمة، فحتى وإن تراجعت قوة الحزب، حسب استطلاعات الرأي، فإن حزب "العمل" الاسرائيلي سيشكل مع "كديما" تكتلا يمنع وصول حزب الليكود اليميني الى رئاسة الحكومة. وفي كل المعادلات التي امامنا فإن برنامج"كديما" سيتحول الى برنامج الحكومة القادمة دون اية معارضة حتى من حزب"العمل" المحسوب على اليسار الصهيوني.

فالحكومة القادمة ستتمسك بمزاعم غياب"الشريك الفلسطيني"، وستعمل سريعا على تعميم هذا الانطباع على الأسرة الدولية، بحجة ان حركة حماس هي التي تقود الحكومة الفلسطينية، وأن أي قرار على الارض في مناطق السلطة الفلسطينية سيكون منوطا بقرار من الحكومة الفلسطينية التي ترفض اسرائيل التعامل معها.

كذلك فإن الحكومة الاسرائيلية لا تنتظر الانتخابات البرلمانية وتشكيل الحكومة القادمة، فهي تطبق مخططها على الارض من خلال مواصلة بناء جدار الفصل العنصري. وتعترف اسرائيل، في اكثر من مناسبة وعلى لسان مجموعة كبيرة من كبار المسؤولين الاسرائيليين، ان مسار الجدار هو مسار "الحدود النهائية" التي تريدها اسرائيل مع الضفة الغربية.

لقد درجت اسرائيل منذ سنوات طوال على مفاوضة نفسها بنفسها، دون الأخذ بعين الاعتبار الطرف الآخر. وفي فترات سابقة حاولت اسرائيل"صناعة" شريك لها، كما شهدنا ذلك في فلسطين ولبنان، ولكن كل هذه المخططات فشلت فشلا ذريعا، وهذا ما يؤكده محللون اسرائيليون، إلا ان المؤسسة الاسرائيلية بشقيها المتحدين، العسكري والسياسي، تصر على مواصلة ضرب رأسها بالحائط حتى لو قاد هذا الى دوامة خطيرة أخرى في المنطقة.

كاتب ومحلل سياسي من الناصرة

 [email protected]

التعليق