محمد أبو رمان

اهدموا جدار الفصل مع العراقيين

تم نشره في السبت 4 آذار / مارس 2006. 02:00 صباحاً

   تفجير المراقد الشيعية في سامراء وما تلاها من "حروب المساجد"، وما سبقها من الكشف عن "فرق الموت" في وزارة الداخلية العراقية، ومن ثم التطورات الدموية الأخيرة من تفجيرات واغتيالات واستهداف القيادات السياسية والدينية، واغتيال الإعلامية أطوار بهجت، والاتهامات المتبادلة بين الأطراف المختلفة، ونتاج ذلك من مئات القتلى والجرحى في أيام معدودات.

   كل هذه التطورات والأحداث المأساوية لا تمثل شرارة الحرب الأهلية، كما تذهب وسائل الإعلام، بل هي أحد تجليات حرب أهلية "باردة" قائمة، بالفعل، أشعل فتيلها الاحتلال الأميركي منذ قدومه، وإن كان الفضل في توفير شروطها يعود إلى ما قبل ذلك، أي إلى نظام الاستبداد والقهر، الذي دمر الوحدة الثقافية والسياسية والروحية بين العراقيين منذ عقود.

   أمّا تأكيد المرجعيات الشيعية والزعماء السنة على الوحدة وضرورة تجنب الاقتتال وضبط النفس فهو بمثابة المسكنات والعلاجات المؤقتة التي تطال أعراض المرض لا جذوره. ومن يشكك في وجود حرب باردة أهلية ما عليه إلا أن يتابع الصحافة العراقية والآراء المختلفة في العراق أو على مواقع الانترنت ليقف على حقيقة الأزمة الخطيرة التي تجذِّرها وترسخها خطابات واتهامات متبادلة، لم تقف عند حدود العلاقة بين السنة والشيعة داخل العراق، بل وصلت إلى انتشار عدوى "اللغة الطائفية" إلى شرائح كبيرة من الشارع العربي.

   في المقابل، من الصعوبة بمكان الجزم بمن وراء العديد من الأحداث الأخيرة، فالعراق اليوم مركز تتقاطع فيه نزوعات طائفية وعرقية وصراعات إقليمية ودولية ومصالح دول وأطراف مختلفة يختلط فيها الحابل بالنابل، ويختفي فيها الفاعلون وراء أشباح وعناوين وهمية لا تسمح لنا بتمييز مصلحة الولايات المتحدة عن إيران عن تنظيم الزرقاوي عن دور أجهزة المخابرات! إنما ما هو واضح، لا يقبل التأويل والتشكيك، أن الضحية الأولى لهذا الواقع المأساوي هم العراقيون والسلم الاجتماعي ووحدة العراق.

   فمنذ الأيام الأولى للاحتلال بدأت "الحروب القذرة" تمارس، على العلماء والمثقفين والقيادات والخبرات العراقية الكبيرة، وهناك تقارير إعلامية وأمنية تؤكد وجود خطة "استنزاف" وتفريغ للعراق من الخبرة العلمية المتميزة التي تكونت خلال العقود السابقة، إما من خلال القتل والاعتقال والانكشاف أمام كل مصادر التهديد المتوقعة، وغير المتوقعة، أو بالهروب إلى الخارج أو بتوفير عقود عمل وحياة مغرية في الدول الغربية. كما تكشف تقارير أخرى عن تحول العراق إلى ساحة تصفيات واغتيالات وجغرافيا نفوذ مقسمة بين الطوائف وعصابات بأسماء وعناوين إسلامية ووطنية ما هي إلا "أسماء حركية" لحروب أهلية وطائفية تتجاوز "الف باء" الأخلاق الإسلامية التي تقدس وتصون السلم الأهلي والاجتماعي.

   السؤال المطروح، الذي ينبغي ان ينشغل به المثقفون والكتاب والسياسيون العرب، هو: ما الحل؟ وكيف يمكن انتشال العراق من الواقع الحالي وبناء مرحلة جديدة نتجنب فيها رؤية عراق يمزق نفسه، عراق بلا عراقيين، أي: عراق الطوائف والتناحر لا عراق المواطنة والقانون؟..

هناك توافق كبير بين العراقيين والمثقفين العرب أن المطلوب هو خروج الاحتلال الأميركي وبناء نظام اجتماعي وسياسي يستوعب الاختلافات والتنوعات الطائفية والعرقية ويصهرها في بوتقة جماعة وطنية واحدة ضمن قبول بمبادئ العيش المشترك والتكامل والحق في الاختلاف الديني والسياسي والثقافي، وسيادة منطق القانون ودولة المؤسسات. لكن تحقيق هذا الهدف، على المدى القريب، غير ممكن دون المرور بمراحل وخطوات رئيسية تساعد أولا على تحقيق حالة من السلم الداخلي والحد أو منع الحروب القذرة والتصفيات المتبادلة. والمسارعة في العملية السياسية وتثبيت قواعدها وأصولها كي يكون حل الخلاف سلميا وليس دمويا.

   في هذا السياق تشير القراءة الواقعية أن هناك حالة عامة من الشك والريبة والتوجس المتبادل بين القوى العراقية المختلفة، وهي نتاج طبيعي لعقود من الاستبداد وتغييب الحوار الوطني الحقيقي، وانكفاء الطوائف والقوى على نفسها، ما يتطلب وجود طرف آخر خارجي، والمرشح الوحيد للعب هذا الدور الأساسي والمحوري هو المجتمعات العربية والإسلامية من خلال ممثلين عن رموز عربية إسلامية معتدلة وعن قوى ومؤسسات المجتمع المدني وإعلاميين معروفين باعتدالهم وسعة أفقهم ينتقلون إلى العراق ويشكلون لجانا ومؤسسات تعمل على تجسير الهوة بين القوى والطوائف العراقية المختلفة، وتساهم في تعميق وتعزيز الحوار العراقي- العراقي، وتدفع باتجاه تفاهمات وتوافقات تقود إلى مرحلة جديدة.

   ويكون من أولويات الدور العربي- الإسلامي "المجتمعي" المطلوب في العراق العمل على تشكيل "مظلة أهلية" مشتركة من قيادات ورموز القوى والطوائف العراقية تقوم، بالتنسيق مع العرب، بتوجيه الرأي العام، والسعي إلى وضع ميثاق شرف عراقي يمنع استباحة الدماء، يقدس السلم الأهلي، يفتح المؤسسات الأمنية وغيرها أمام الرقابة القانونية والسياسية والإنسانية، وتشكيل لجان لحل الخلافات ومنع التحريض الطائفي والإثني في وسائل الإعلام والتجمعات العامة، وتحريم الاعتداء على الشرطة والجيش العراقي، وحل الخلافات السياسية، وضمان استئناف الحياة اليومية الطبيعية وتوفير الخدمات الرئيسية للعراقيين، وتحصيل دعم مالي عربي لهذا الدور الحيوي البناء.

   بالتأكيد لن تكون مهمة النخبة العربية- الإسلامية سهلة أو بسيطة لكنها ستساهم في التقليل من الصراعات أو احتمالات تحول الحرب الأهلية الباردة إلى دموية، وصولا إلى كسر الجمود والشك بين العراقيين.

إن موسم الهجرة إلى العراق قد حان، فعلى المثقفين ومؤسسات المجتمع المدني العربية والإسلامية هدم الجدران مع العراقيين، والاقتراب أكثر من الواقع العراقي وفتح القنوات المختلفة مع كل القوى العراقية (سنية وشيعية وكردية) كي تستعيد هذه القوى ثقتها بالمجتمعات والشعوب العربية والإسلامية. فلا يعقل ألا يرى العراقيون من العرب القادمين سوى أنصار الزرقاوي وأتباعه بينما تغيب القوى المدنية والأهلية العربية بالكامل. إن لم ننطلق اليوم إلى العراق، لا نلوم إلاّ أنفسنا إذا شاهدناه يغرق في حروب وصراعات المستفيد الأول منها "إسرائيل"!

[email protected]

التعليق