حول تقرير "الأعيان"

تم نشره في الخميس 2 آذار / مارس 2006. 02:00 صباحاً

بعض القضايا مهمة وذات تأثير، لكنها تضيع تحت زحمة القضايا الأكثر صخباً وجذباً للاعلام واهل السياسة والناس، ومنها بعض ما اشار اليه تقرير اللجنة المالية لمجلس الاعيان الذي ناقشه المجلس يوم الاحد الماضي. وربما ما تهتم به الحكومات عادة هو محصلة النقاش والتصويت واغلاق ملف الموازنة، اما التقارير فتتحول الى ارشيف حتى وان كانت محصلة جهد كبير وتحتاج الى متابعة.

ومن القضايا التي تثير الاهتمام ما اشار اليه التقرير حول موضوع الطاقة، وهنا لا نتحدث عن المحروقات ويقول التقرير: "تستذكر (اللجنة) كيف تحول الاردن من دولة مصدرة للطاقة الى دولة مستوردة لها. والكل يذكر ايام كانت الاردن تزود الشقيقة سورية بجزء من احتياجاتها الكهربائية في اوائل التسعينات". وهذه القضية تفتح الباب امام سؤال كبير للحكومات ووزارات الطاقة المتعاقبة: كيف تحولنا من دولة مصدرة للطاقة الى مستوردة؟ وهل نحن فقط الدولة التي يزداد فيها السكان؟ الم يكن الأصل ان تتطور قدراتنا في مجال الطاقة بدلاً من ان نتحول الى دولة تشتري الكهرباء؟!

ويتحدث التقرير عن مشكلة انشغلنا بها فترة ثم بقيت وذهب الاهتمام بها، وهي المشكلة الخاصة  بالمحطة الحرارية في العقبة التي يعني حديث لجنة الاعيان عنها انها ما تزال قائمة. ويقول التقرير: "ان المشاكل الفنية التي ما تزال عالقة مع مصنعي المولدات في المحطات الحرارية في العقبة، والاعطال المتكررة فيها قد جعلتنا في وضع حرج نعتمد فيه على استيراد الطاقة من مصر، مع زيادة الاعتماد على محطة رحاب التي لا تستفيد من ميزة فرق اسعار الغاز المستعمل في محطات العقبة المتعطلة".

وهذه القضية تختلط فيها الادارة، بكل تفاصيلها، مع القدرة على حل المشكلات. والاهم العودة الى مراحل بناء المحطة وعقود المولدات، وغيرها من التفاصيل التي ادت الى هذا الحال. واذا كان حديث السير يصل رجل الأمن في نهايته الى تحديد طرف مسؤول، فمن المسؤول عن قصة محطة العقبة، ام انها قضية مبنية للمجهول؟ والمسؤول هنا طرف يفترض ان يتحمل المسؤولية، فالخسارة يدفعها المال العام ومصالح الناس.

ويشير التقرير الى حالة فوضى مالية واقتصادية مارستها حكومات من خلال ما اسماه التقرير "عدم التزام الحكومات بضبط الإنفاق العام"، ويقدم تفصيلاً واضحاً حيث يقول: "تعدد برامج الإنفاق خارج الموازنة العامة، وتمويل ذلك بالقروض الخارجية والداخلية، وعلى امل الحصول على المنح والمساعدات الخارجية مما ادى الى انكشاف اوضاعنا المالية على الخارج بصورة تنذر بالخطر..".

وهذه القضية غاية في الاهمية؛ فالاصل ان الموازنة هي المسرب الشرعي والوحيد للإنفاق، لكن ما عشناه في سنوات سابقة لا يوصف الا بالفوضى حتى وان حمل عناوين تنموية، واصبح المال القادم تعبيراً عن حكومتين واحدة تنفق من الموازنة، والاخرى جهات شبه حكومية تنفق وفق ما تشاء، بل أصبحت عنواناً سياسياً يسعى لاسترضاء البعض.

ويشير التقرير الى ان هذا الإنفاق خارج الموازنة احتاج الى التمويل الذي جاء عبر القروض الخارجية والداخلية، اي هو عبء على الاقتصاد وزيادة الدين العام وخدمته، ومزيد من العجز في الموازنة، والمحصلة ثمن يدفعه الاردنيون ويترجم على شكل رفع اسعار وفرض ضرائب وتآكل الرواتب.

اما القضية الاخيرة من قضايا تقرير لجنة الاعيان فتتعلق بالفساد ومكافحته حيث يقول التقرير: "طالما ان هناك تشريعات وآليات واجراءات مقرونة بالارادة السياسية الصادقة التي تحرم اصحاب النفوس الضعيفة من استغلال اي واقع او مواقع لارتكاب مخالفات للقانون في توزيع الهدايا والعطايا وتلزيم العطاءات وتوزيع المناصب والمكاسب وارهاب او شراء الضمائر.."، اي ان التقرير يطالب الحكومة بالتشريعات والاجراءات والاليات التي تقطع الطريق امام كل فاسد او مفسد، فالمكافحة لا تحتاج الى تهديدات او شتم الفساد، بل الى فعل وهذا ما لم تقم به الحكومات بشكل كامل.

الفساد ليس جيشاً معادياً او كتلة منفصلة عن ممارساتنا الفردية او العامة، والحرب عليه التي لم تشن حتى الان أصبحت تشبه حرب امتنا على الفرقة والخلافات، فكلنا نشتم التشرذم، لكننا جميعاً نمارسه او على الأقل نمنحه اسباب الحياة.

[email protected]

التعليق