إبراهيم غرايبة

عبد المجيد الذنيبات

تم نشره في الأربعاء 1 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

   عندما انتخب عبد المجيد الذنيبات مراقبا عاما لجماعة الإخوان المسلمين عام 1994 كان مجيئه تعبيرا عن حراك تنظيمي غني ومعقد تخوضه الحياة السياسية والاجتماعية في الأردن ومن ضمنها الحركة الإسلامية، فالجماعة باختيارها لهذا المحامي من الكرك والذي كان يقيم ويعمل هناك كانت تبحث في القادة المحليين في المحافظات عن مخرج للأزمة في المركز والتي كادت تتحول إلى حالة من التفسخ والصراع. وقبله بسنوات قليلة كان رئيس بلدية مادبا ثم النائب أحمد الأزايدة يعبر عن جيل جديد في العمل الإسلامي والعام يختلف اختلافا كبيرا عن جيل سابق خيم على الحركة لمدة عقدين من الزمن، ولكن المرض لم يلهم هذا القائد الشاب فتوفي عام 1992 وهو في أوائل الأربعينيات، وهكذا فإن الجماعة كانت تعبر عن حيويتها بقدرتها على إضافة قيادات مركزية قادمة من الأطراف.

   لقد كانت الحياة السياسية والنيابية بانطلاقها عام 1989 هزة للنخب والقيادات الراكدة والمغلقة في الأحزاب والجماعات والنقابات وسائر المواقع السياسية والاقتصادية، صحيح أنها لم تتحول إلى حياة سياسية وعامة قائمة على التداول والتنافس في السلطة، ولكنها مازالت في المحافظات بعيدا عن عمان والزرقاء تضج بكثير من التفاعلات التي ستغير في المستقبل كثيرا من قواعد التنافس. قد تكون تحت السطح برغم ثرائها وتأثيرها تبدو بعيدة عن الملاحظة والتحليل، ويبقى الحديث عنها مغامرة، فما لا يعرف في عمان يبدو وكأنه ليس موجودا في الأردن!

ويقدم المشهد السياسي والاجتماعي الأردني وفقا لرغبات في رؤية المشهد وليس كما هو بالفعل.

   كانت الجماعة تبدو ساحة للمغانم والفرص، لكنها تعرضت للتهديد والتبخر بسبب الصراع عليها، وكانت بحاجة لقائد جديد ليس له مصلحة مباشرة وخاصة بموارد الجماعة وتأثيرها الانتخابي والجماهيري.

   كان أبو محمد يعد من المعتدلين، ولكنه في اعتداله هذا لم يكن يعبر مجموعة أو مصلحة، ففي عام 1997 عندما قررت الجماعة مقاطعة الانتخابات النيابية كان يعبر عن هذا التوجه المخالف تماما لموقفه ورأيه، فقد كان يرى دوره في مؤسسية القرار والالتزام بمرجعياته، وما زال الجدل يدور حتى اليوم حول قرار مقاطعة الانتخابات النيابية عام 1997، ولكن بعيدا عن ذلك كله، ففي المشهد الداخلي للحركة الإسلامية الذي لا تراه وسائل الإعلام أو لا ترغب في رؤيته، كانت مؤسسات الجماعة المنتخبة تستعيد تأثيرها وتجدد أدوات العمل والمراقبة والمراجعة بعيدا عن هيمنة وآراء مجموعات تشكلت في الحركة الإسلامية وكانت تعتقد أنها ليست بحاجة إلى هذه المرجعية، وتستطيع إلغاءها.

   تبدو تلك التفاعلات التي وقعت عام 1997 حدثا سياسيا متعلقا بمعاهدة التسوية والتطبيع برغم أن بيان المقاطعة لم يشر إلى ذلك، ولكنها قضية كانت تبدو في الحراك الداخلي والتنظيمي ليست أكثر أهمية من الدفاع عن "البوم المرقط" وحمايته من الانقراض، فالمشتغلون بالعمل التنظيمي والدعوي في تلك المرحلة سيتذكرون دورا تاريخيا وبالغ الأهمية في حماية الجماعة وتطوير أدائها المؤسسي لرجلين اثنين، هما عبد المجيد الذنيبات، وعدنان المجالي رئيس مجلس شورى حزب جبهة العمل الإسلامي عام 1997 الذي فرض لمجلس الشورى دوره المفترض في قانون الحزب الأساسي كمؤسسة مرجعية عليا فوق الأمين العام والمكتب التنفيذي لا يجوز أن يقلل منها الحضور السياسي والإعلامي للقادة التنفيذيين والنواب.

   ومايزال البعض في مختلف المواقع والتجارب في الجبهة لا يدركون أو لا يريدون أن يدركوا  أن رئيس مجلس الشورى في الحزب هو رئيس الحزب وأن مجلس الشورى هو صاحب الولاية والمرجعية على مؤسسات الحزب جميعها.

   إن الرجال الناجحين تكشف عنهم أو تصنعهم الأحداث والتجارب، وكان عبد المجيد الذنيبات ناجحا في التقاط اللحظات التي تقود الجماعة بعيدا عن الرغبات، وهو اليوم أكثر نجاحا وتميزا بانسحابه طوعيا من موقعه مفسحا المجال كما يقول لحراك الجماعة وعملها المؤسسي لاختيار قائد آخر للجماعة. وإن كان الحراك هذا كما يراه الأستاذ عبد المجيد الذنيبات حيا وفاعلا فلا بد أنه كان صاحب فضل في ذلك، وقد أضاف إليه بإيثاره لغيره تجارب ومواقف تغني هذا الحراك.

   وليت الطالعين من الحصون الداخلية للحركة الإسلامية ممن يجلبون عليها بخيلهم ورجلهم معتقدون أنها مرفق لهم لا ينتمون إليه إلا بمقدار مصالحهم الصغيرة ورؤاهم الضيقة يدركون أن بقاء الجماعة ساحة متواضعة ومتجددة تسع الجميع أهم بكثير من تحويلها إلى فيلا أنيقة لمجموعة صغيرة. 

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق