"القائمة النسبية" والدستور الأردني

تم نشره في الاثنين 27 شباط / فبراير 2006. 02:00 صباحاً

قرأت في"الغد"(الاربعاء 23/2/2006) مقالة للكاتب جميل النمري يبدي فيها حماسا شديدا لنظام الانتخاب وفقا للقائمة النسبية، مؤكدا ان نصوص الدستور الاردني تسمح بالاخذ بنظام القائمة النسبية. وذكر الكاتب ان هناك اجماعا حزبيا وسياسيا على هذا النظام، حتى ان لجنة الاجندة الوطنية اعتمدته على النحو الذي يقول به، وعند هذه النتيجة ابدى الكاتب انزعاجا يشوبه الانفعال على ما ابداه الاستاذ صالح العرموطي نقيب المحامين حول مخالفة نظام القائمة النسبية للدستور الاردني، وتوج هذا الانفعال بالقول في نهاية مقاله"اذا كان نظام التمثيل النسبي الانتخابي لا يعجب البعض فليقل ذلك وليشرح اسبابه، لكن لا حاجة ان يشهر في وجهنا حجة عدم الدستورية".

لم يسبق لي ان رددت على كاتب صحافي لإيماني بأن من حق الكاتب ان يبدي ما يريد من اراء، ما دام لا يتجاوز حدود القانون، وقد مارس الكاتب في مقالته حقه ضمن حدود القانون فعلا. لكن الكاتب، كما اعتقد، ضل الطريق عندما اصدر فتواه الدستورية امام الرأي العام وأوحى باكتشافه لخطأ قانوني وقع فيه الاستاذ النقيب ما كان ينبغي ان يحدث.

وفي هذا المجال اقول ان محصلة ما ابداه الكاتب الصحافي هو تأكيد قناعته حول امرين كل منهما ينتمي الى حقل مختلف عن الآخر؛ الامر الاول: قناعة الكاتب بأن نظام الانتخاب وفقا للقائمة النسبية هو نظام يلائم ظروف الاردن في الوقت الحاضر، وموضوع الملاءمة، كما هو واضح هنا هو موضوع سياسي بحت ولا شأن لي به. الامر الثاني: ان الكاتب يؤكد السلامة الدستورية للأخذ بنظام القائمة النسبية، وفقا لنصوص الدستور الاردني، وهذا الموضوع كما هو واضح هو موضوع قانوني ودستوري بحت.

وبدوري فلن اتحدث عن موضوع سياسي اجتهد فيه الكاتب يتمثل في ملاءمة نظام الانتخاب وفقا للقائمة النسبية للاردن في الوقت الحاضر، حتى لو كان هذا النظام يناسب ظروفنا فعلا، ولا اعتقد ان الاستاذ العرموطي كان يتحدث عن هذا الجانب السياسي في موضوع قائمة التمثيل النسبي. اما بالنسبة لموضوع دستورية هذا النظام واصدار فتوى بشأنه، فقد كنت اتمنى ان يتجنب الكاتب الصحافي الخوض في مثل هذا الامر ومحاججة الاستاذ النقيب في هذا المجال، ومع ايماني بأن الصحف ليست المكان المناسب لنشر الدراسات القانونية باصطلاحاتهما الفنية المتخصصة، الا ان اهمية الموضوع لدى الرأي العام تدفعني الى حديث موجز ومبسط ما امكن يتعلق بتوضيح الموقف الدستوري من نظام القائمة النسبية:

1- ان الانظمة الدستورية السائدة في عالم اليوم تتمثل في نظامين اساسيين الاول هو النظام البرلماني الذي استقرت معالمه الاساسية في بريطانيا منذ عام 1760، والثاني هو النظام الرئاسي الذي كان اول من اخذ به في الدساتير المعاصرة، الدستور الاميركي عام 1787 ليبدأ تطبيقه اعتبارا من عام 1789.

2- ويقوم النظامان السابقان على اساس مبدأين جوهريين اولهما ان الدستور يشكل عقدا اجتماعيا بين الشعب وبين سلطة الحكم، وثانيهما انه من الضروري ان يكون هناك فصل بين السلطات، وقد اخذ الاميركيون في دستورهم فكرة العقد الاجتماعي عن الفيلسوف جان جاك روسو الفرنسي التي طرحها في كتابه العقد الاجتماعي المنشور عام 1762، في حين اخذوا فكرة الفصل بين السلطات عن الفيلسوف شارل لوي مونتسكيو الفرنسي ايضا التي عرضها في كتابه روح القوانين الذي ظهر عام 1748 حيث استقاها عن النظام البرلماني الانجليزي اثناء اقامته عامين في بريطانيا.

3- وسواء في النظام البرلماني او النظام الرئاسي، فإن الدساتير تنص على ان الشعب الذي يمثل الطرف الاساسي في العقد الاجتماعي هو مصدر السلطة ونقطة البداية في الدساتير هي انتخاب الشعب لنواب يمثلونه. وفي هذ المجال فإن الدساتير تضع قواعد اساسية في موضوع الانتخاب، ويكون على القوانين بعد ذلك تفصيل ما اجملته النصوص الدستورية دون ان يصل هذا التفصيل الى الخروج على تلك النصوص.

4- ولقد استمد الدستور الاردني لعام 1952 احكام النظام البرلماني الذي اخذ به عن الدستور البلجيكي لعام 1921، وذلك اسوة بالدستور المصري لعام 1923، ويعتبر الدستور البلجيكي الصادر عام 1831 من اوائل دساتير النظام البرلماني المكتوبة حيث تم اخذ احكامه عن الدستور الانجليزي الذي يغلب عليه العرف، وذلك وفقا للحالة التي كان عليها ايام الملك وليم الرابع في ذلك العام، وقد اعيدت صياغة نصوص الدستور البلجيكي عام 1899 وتمت مراجعته عام 1921 وهي النسخة التي اخذ عنها الدستور الاردني.

5- وأؤكد هنا ان مدلولات النصوص الدستورية في النظام البرلماني الذي اخذنا به قد استقرت منذ اكثر من قرن من الزمان واصبحت هذه المدلولات تشكل بناء دستوريا متكاملا، ومن هذه المدلولات مدلول الانتخاب العام المباشر الذي يعطي للناخب حق اختيار مرشحه في الانتخابات النيابية انطلاقا من مواصفات هذا المرشح الشخصية تأهيلا ومسلكا وسمعة، بحيث اذا ورد اسم هذا المرشح ضمن قائمة مرشحين فإن حق الناخب لا يختلف دستوريا في تمكينه من اختيار مرشحه بالاسم على النحو المذكور. وسواء نص قانون الانتخاب على حق الناخب في اختيار مرشح واحد او اثنين او ثلاثة او اكثر، فإن الحق الدستوري للناخب في اختيار مرشحه او مرشحيه بأسمائهم وذواتهم ومواصفاتهم لا يتغير ما دام الدستور يعطيه حق الانتخاب المباشر، ويترتب على هذا ان اجبار الناخب على اختيار القائمة البيضاء او الخضراء مثلا التي تتكون من عدد من الاسماء دون ان يكون له الحق في اختيار الشخص او الاشخاص الذين يرغب في انتخابهم من القائمة او القوائم لا يكون انتخابا مباشرا بأي معيار.

6- ولقد نشرت في مجلة نقابة المحامين عدد شهر 12 لعام 2005 دراسة قانونية بعنوان من الحق والحريات الدستورية تبدأ الخطوة الاولى في الاصلاح والتطوير وجاء في هذه الدراسة ما يلي:

"وبالنسبة لموضوع القوائم النسبية فإن المادة 67 من الدستور تستوجب ان يكون الانتخاب مباشرا اي ان يختار الناخب مرشحا باسمه وبذاته او مرشحين بأسمائهم وذواتهم، ان الانتخاب بالقائمة النسبية عند من ينادون ويجتهدون بجواز تطبيق هذا الاسلوب عندنا من الناحية الدستورية مؤداه ان يكون على الناخب اعطاء صوته للقائمة جميعها او تركها جميعها دون ان يكون له الحق في اختيار اشخاص بعينهم من القائمة او من قوائم مختلفة، وبعد ان تظهر نتائج الفرز، تعطى القائمة مقاعد بنسبة الاصوات التي حصلت عليها، لكن هذا النوع من الانتخاب بالقطع لا يكون انتخابا مباشرا على النحو الذي يتطلبه الدستور، ومثل هذه الاجتهادات التي تبتغي الوصول مع الحكومات الى حلول سياسية مجردة فحسب تشكل مخالفة للدستور قطعا وينبغي من الجميع التذكر بانه يكفينا مخالفات للدستور، تحت ذرائع وحجج مختلفة دون وجه حق، ذلك ان الدول التي تأخذ بنظام القائمة النسبية تنص دساتيرها على ذلك، ومن ثم اذا كان هذا النوع من الانتخاب يناسب الاردن في نظر المنادين به فليطالبوا بتعديل الدستور اولا على النحو الذي يستوعب هذا النظام لا ان يخالفوا الدستور لتحقيق ما يتبغون".

7- ولتأكيد ما سبق، اكتفي بإيجاز مثال حي وقريب من مصر. فقد حدث قبل حوالي عقدين من الزمن، ان تم اجراء الانتخابات لمجلس الشعب المصري وفق قانون انتخاب سبق ان اصدره المجلس الذي يسيطر عليه الحزب الحاكم، وينص هذا القانون على اجراء الانتخابات على اساس القائمة، حيث تم تشريع هذا القانون وفقا لرغبات العديد من سياسيي الحزب الحاكم الذين يلتحق بهم عدد من القانونيين المنظرين لهم.

وتم الطعن في الانتخابات انطلاقا من انها جرت وفق قانون يخالف المادة 86 من الدستور المصري التي تنص على ان "يكون انتخاب اعضاء مجلس الشعب عن طريق الانتخاب المباشر". ووجه المخالفة الدستورية التي اوردها الطعن هي ان النص على الانتخاب المباشر يعني الانتخاب الفردي الشخصي وليس الانتخاب بالقائمة. وبناء على ذلك، فقد اصدرت المحكمة الدستورية في مصر حكمها ببطلان قانون الانتخاب لمخالفته للدستور، وبالتالي بطلان الانتخاب لانه تم وفق قانون مخالف للدستور ينص على الانتخاب بالقائمة.

وقد كانت المشكلة الكبرى هنا تتمثل في الوضع الدستوري للقوانين التي اصدرها مجلس الشعب المصري قبل صدور الحكم ببطلان تشكيله. لكن حكمة القضاء المصري عالجت الامر بتطبيق نظرية الموظف الفعلي، التي سبق ان ابتدعها القضاء الاوروبي، على مجلس الشعب خلال الفترة من تاريخ انتخابه حتى تاريخ الحكم ببطلان الانتخاب، لتظل القوانين التي اصدرها المجلس صحيحة.

8. وبعد، فإن ما سبق ان اوردت ليس فزعة او انتصارا للاستاذ صالح العرموطي نقيب المحامين، فهو فيما قاله ليس بحاجة لفزعة او انتصار من احد، وانما الذي بحاجة الى الانتصار والفزعة مني ومن الاستاذ صالح ومن كل من يؤمن بمبدأ المشروعية ويسعى لحمايته، هو الدستور الاردني الذي يشكو بصمت حزين، من الخروج عليه ومخالفة احكامه، ولا ازيد.

التعليق