محمد أبو رمان

الجواب في "أبو غريب"!

تم نشره في الأربعاء 22 شباط / فبراير 2006. 02:00 صباحاً

   لم تتوقف وسائل الإعلام والأوساط السياسية العربية والغربية كثيرا عند الصور المروعة التي ظهرت مؤخرا حول التعذيب في سجن أبو غريب، على الرغم من بشاعة المشهد واستفزازه. لكن هذا المشهد لا يمر مرور الكرام على الوعي الجمعي العربي، الذي سيختزنه ويضيفه إلى مشاهد وقراءات أخرى لسجل السياسة الأميركية تجاه العالم العربي والإسلامي، وهو سجل، في نظر الأكثرية المطلقة، يخلق مزاجا عاما معاديا للولايات المتحدة، ويؤدي في أعراضه الجانبية إلى نمو وصعود حركات راديكالية تحاول ضرب الأهداف الأميركية، وتخلق حالة أمنية وثقافية خطيرة داخل مجتمعاتنا.

   فبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تداعت الأسئلة الأميركية حول "الإرهاب" والتطرف، وعن هوية الذين هاجموا الولايات المتحدة، فرأى الاتجاه الأميركي العام، في الإجابة عن سؤال "لماذا يكرهوننا؟"، أن سبب "الإرهاب الإسلامي" يعود إلى الأزمات الداخلية الخانقة التي يعيشها العالم العربي والإسلامي. فهذه الأوضاع المتردية هي التي تخلق الشروط النموذجية والمثالية لنمو التطرف والإرهاب، وتصديره للولايات المتحدة، من خلال شبكة أعمال ومنظمات. ويعبر أحد الدبلوماسيين الأميركيين البارزين عن هذه الرؤية بقوله: لو كان هناك ديمقراطية لكان أسامة بن لادن نائبا متطرفا في البرلمان، لكنه لن يخرج إلى مناطق أخرى ويهدد مصالح الولايات المتحدة.

   الجواب السابق يمثل، بحق، بعض الأسباب الحقيقية لنمو بذور التطرف في العالم العربي والإسلامي، لكنه لا يفسر لماذا يتوجه سلاح القاعدة وغيرها من المنظمات الراديكالية تجاه الولايات المتحدة من دون غيرها، ولا يفسر، كذلك، المزاج العربي والإسلامي العام المعادي لأميركا.

   ما يفسر ذلك بوضوح، لا لبس فيه، هو أحداث أبو غريب وسجن "غوانتانامو" ومئات الآلاف من أطفال العراق الذين قضوا في الحصار الذي استمر على العراق منذ حرب الخليج الأولى إلى حرب العراق، وفي أثناء الحرب وما بعدها، وآلاف الجرحى والشهداء الفلسطينيين ما يفسره هو حالة القهر والغضب والغليان الشعبي من السياسة الأميركية، فلا تعبر القاعدة سوى عن قمة جبل الجليد من مشاعر الأطفال والنساء والشيوخ، بل والشارع العربي بأسره تجاه السياسة الأميركية!

   ما هو مطلوب من الإدارة الأميركية بحق هو نظرة عادلة وموضوعية لسياساتها الشرق أوسطية، وما جرته من ويلات على الشعوب العربية والمسلمة! حتى اللحظات القليلة المشرقة في هذه السياسة، بعد أحداث أيلول، أي الضغط على الحكومات العربية للمضي قدما في خطوات الديمقراطية والإصلاح أو التأكيد على العملية السلمية، لم تكتمل وعادت الإدارة الأميركية لحساباتها السابقة! وإذ خلّصت أميركا العراقيين من صدام فقد خلقت ما هو أبشع من ظروف وأحوال أدت إلى حالة من الرعب لدى الشعوب العربية من التغيير المنشود!

   للأسف قلة هم الخبراء والكتاب والمثقفون الأميركيون الذين يكسرون حاجز الصمت ويتحدثون بصراحة وموضوعية عن السياسة الأميركية، ومن هؤلاء ناعوم تشومسكي، سيمور هيرش، مايكل مور وغيرهم. ومنهم الخبير والباحث المتميز "ستيفن زونز" Stephen Zones، وتستحق كتابات هذا الرجل الاهتمام والقراءة. وقد نشر زونز كتابا قيما حول السياسة الخارجية الأميركية بعنوان "لماذا هم يكرهوننا" (Why Do they Hate Us) محللا فيه بوضوح الأسباب الحقيقية لصعود نزعة العداء للولايات المتحدة في المنطقة العربية، وتجلي هذه النزعة من خلال الحركات الراديكالية، محملا السياسة الأميركية المسؤولية الكبرى.

   وقد وضع زونز ملخص أفكار هذا الكتاب بمقال سابق له بعنوان "عشرة أشياء يجب أن تعرف حول السياسة الاميركية في الشرق الأوسط"، بعد أحداث أيلول بأيام قليلة. وفي قراءة هذه السياسات الأميركية العشر يصل بنا زونز إلى الكوارث والأزمات التي خلقتها أميركا في هذه المنطقة. في مقدمة ذلك أن أميركا لعبت دورا رئيسا في "عسكرة المنطقة"؛ فالشرق الأوسط من المناطق الأكثر شراء للسلاح الأميركي، وقيمة صادرات السلاح الأميركي منذ حرب الخليج 1990 إلى سنوات قريبة وصلت إلى 60 بليون دولار، وتدفع أميركا قرابة 3 بلايين دولار مساعدات عسكرية سنوية لإسرائيل ضد جيرانها العرب، بينما 80% من مشتريات تلك الدول (العربية) من السلاح من الولايات المتحدة. ومبيعات السلاح لها علاقة وطيدة بشركات تصنيع السلاح الاميركية ومصالحها، بخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والخشية من تدهور هذه الصناعة.

   ومن السياسات التي يشير لها زونز قضية الوجود العسكري الأميركي في المنطقة بحرا وبرا والذي تعزز بعد عام 1990، والمعاناة الإنسانية من السياسات الأميركية (كما كان الحال فترة حصار العراق ونقص الدواء والطعام عن الأطفال).  

   أما بخصوص السلام العربي- الإسرائيلي، فلم تكن الولايات المتحدة راعيا حقيقيا للسلام، وكانت دوما منحازة إلى جانب إسرائيل، كما لعبت الولايات المتحدة دورا في دعم "النظم الاتوقراطية" التي تتوافق مع مصالحها، وأدت سياسات الولايات المتحدة، في كثير من الأوقات، إلى نمو الإسلام الراديكالي. وعلى الصعيد الاقتصادي دفعت الولايات المتحدة باتجاه نموذج "الليبرالية الجديدة" التي لم تنفع أغلب الناس في المنطقة، وأدى التعريف الأميركي للإرهاب الموسع إلى استفحال المشكلة لا معالجتها.

   وفي مقال آخر لزونز، بعد سنة من احتلال العراق، في مجلة "السياسة الخارجية في المنظار" Foreign Policy in Focus يسلط الضوء على الحالة النفسية التي يشحذ بها الجندي الأميركي في العراق تجاه العرب والمسلمين عموما، وتقوم على احتقارهم والحرص على إذلالهم، ويرصد زونز شهادات لجنود أميركيين تؤكد هذه التعبئة، وتفسر لنا السبب الحقيقي وراء أحداث أبو غريب وغيرها.

   ليس على الإدارة الأميركية أن تجهد في إنشاء الفرق والمجموعات المختلفة لتحسين صورة أميركا في المنطقة، ومواجهة نزعة العداء، أو ما يسمى "معركة كسب العقول والقلوب"، وليس عليها ضخ الدعم لبرامج الدبلوماسية العامة، لأنها لن تكسب سوى قلة من المنتفعين المهمشين في الشارع، فلا يمكن تزوير الوعي العام العربي بأسره! فإذا أرادت الولايات المتحدة أن تفهم روح "الإرهاب" حقيقة، فما عليها إلا أن تقرأ كتاب زونز ومقالاته. وستجد أن مشاهد "أبو غريب" حية لا تموت في الوعي الجمعي العربي!

[email protected]

التعليق