حقل ألغام

تم نشره في الأحد 19 شباط / فبراير 2006. 02:00 صباحاً

بلهجة لا تخلو من النفس العميق ونبرة الصوت المختلفة اعلن رئيس الوزراء في مجلس النواب قبل ايام انه سيخوض حرباً على الفساد، واشار الى انه يعلم انه سيواجه حقل ألغام في مسعاه للحرب على الفساد. وحسن النوايا يفرض علينا ان نأخذ هذه التهديدات ضد الفساد على محمل الجد، وبخاصة اننا شهدنا اجراءات محدودة في ملف المستشارين واعادة ترتيب بعض جوانب هذا الملف، لكنها تبقى اجراءات محدودة جداً.

رئيس حكومة سابقة أعلن ذات مرة انه سيكون "سيفاً مصلتاً" على الفساد، لكن حكومته جاءت ورحلت ولم ير الاردنيون السيف ولا الغمد، ثم جاء الحديث عن اعطيات ثم تعيينات لم تكن متوافقة مع الأسس الموضوعية. وهكذا ففي كل حكومة حديث عن محاربة الفساد لكننا لا نجد الا ممارسات وقرارات وتعيينات او على الأقل لا نجد حرباً على هذا العدو الحاضر في كل الخطابات.

الاردنيون ينظرون الى كل حكومة مع اول تشكيلها ويعطون نسبة للموضوعية للرئيس وخطه عند تشكيله فريقه, وكيف اتى فلان وزيراً او علان لهذا الموقع، فإذا بدأت الحكومة ايامها بحقائب وفق اسس غير سليمة وعلى قاعدة الصداقة او الوراثة او العلاقات فإنها تكون عاجزة عن تجاوز الاختبار الاول، وهذا يضيف احياناً صعوبة أخرى امام اي حكومة في بناء مصداقية لدى الناس.

نعود الى حديث رئيس الحكومة الذي اشار فيه الى ان حملته على الفساد مستمرة وانه سيواجه حقل ألغام، وهذا وصف دقيق، يعني ان الفساد، سواء كان ادارياً او ماليا،ً قوي ومحصن، وان من يقترب منه لمكافحته سيجد مقاومة شديدة قد تودي به، فمن يدخل حقل ألغام لا يضمن بقاءه على الحياة، ففي كل خطوة قد يدوس لغماً يذهب به وراء شمس السياسة والحياة العامة.

لكن الرئيس الذي اكد انه من ابناء الطبقة المتوسطة يؤكد قناعة الناس بأن قضايا الفساد في معظمها ادارية، فالفساد لم يكن يوماً لدى موظف يأخذ قلم حبر من المكتب الى ابنه بحيث تبلغ قيمة السرقة (10) قروش, بل في قرارات ادارية جاءت بمن لا يستحقون الى مواقع كبرى، حتى لو لم يسرقوا منها فإنهم افسدوا بحكم قلة الخبرة وضعف التجربة.

وحقل الالغام يكون حول مناطق هامة، لهذا فالفساد الحقيقي بكل اشكاله لدى القطاعات التي تضم اموالاً وعطاءات وعمولات وسمسرة وبيعا وشراء وتعيينات او حرمان اصحاب الحقوق من حقوقهم، وليس مع موظف يتناول سندويش فلافل اثناء العمل، او يحضر صوبة كهرباء لصنع الشاي في المكتب. فكل هذا عبث امام حالة توارث للمواقع الهامة من جد لابن لحفيد، فالفساد بمفهومه الشامل مركز يمكن ان يعود على اصحابه بالمال والجاه والامتيازات، وكل هذا حوله حقل ألغام كما قال الرئيس.

والفساد الذي تعهدت الحكومة بحربه، كما تعهدت كل الحكومات السابقة، قد يكون سياسات اجتماعية او اقتصادية تعمق معاناة الناس وتزيد فقرهم، او محاولات غير مدروسة لحلول يروج لها اصحابها كمنقذ لنا من المشكلات، ثم نكتشف انها وهم، وانها ليست اكثر من شعارات او حملات دعاية على شكل عطاءات لشركات واشخاص، والفساد مشاريع كبرى كلفت الخزينة عشرات ومئات الملايين، ثم لم تعمل بشكل حقيقي وأصبحت عنواناً للخسائر وتسريح الموظفين، والمحصلة هي اموال عامة، ولا حساب لمن فكر وخطط وبنى هذه المشاريع.

نتمنى للحكومة كل التوفيق في مسعاها، وان تكون قادرة على النجاة من حقول الالغام، لكن الاهم ان لا نشهد منها قرارات وسياسات وتعيينات لا تخدم الحرب على الفساد.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق