اتجاهات بديلة في التنمية والاستثمار

تم نشره في الاثنين 13 شباط / فبراير 2006. 03:00 صباحاً

   مُنِحت جائزة نوبل للدكتورة وانغاري ماثاي من جنوب إفريقيا، تقديرا لجهودها في التنمية والإصلاح، وقد وصفت عملها بأنه رحلة ركـّزت فيها على العناية بالبيئة وتشجيع الناس على التحرك والعمل ضمن مجموعات لزراعة الأشجار والحبوب في مزارع الناس، وإصلاح أراضيهم، بما يمكنـّهم من الاستفادة من المحاصيل وإطعام أنفسهم، والحصول على الطاقة، وفي الوقت ذاته الحصول على مردود مالي من إدارة الغابات.

   لقد كانت عمليات حماية الناس والدفاع عن مصالحهم تقع في حماية الغابات، كما تقول ماثاي، وهو ما يعنينا هنا في الأردن ويجب أن نلتفت إليه، فقد كانت جهود حماية الغابات ومواجهة الشركات والجهات المسؤولة عن تعرية الأراضي من الأشجار وإتلاف مصادر المياه وتلوثها، والعمل على بقاء هذه الغابات والمساحات من الأرض مصدرا للناس يستمدون منه وسائل تدبير احتياجاتهم الأساسية، فقد أصبح العمل البيئي مصدرا لحماية الناس أنفسهم والحفاظ على حقوقهم.

   لقد أدرك الناس الحاجة إلى هذه الغابات والمصادر المائية، وأعادوا تنظيم أنفسهم في جماعات ومؤسسات للحفاظ عليها وتنميتها، وباختصار فقد كانت جهود ماثاي التي استحقت عليها جائزة نوبل هي في الإدارة الفاعلة والرشيدة للموارد، وتنظيم الناس وإدارتهم في إطار قائم على احترام الحقوق والمصالح.

   إن هذه التجربة تقدم لنا في الأردن نموذجا لفرص جديدة في العمل والتنمية لعلها أكثر انسجاما مع ثقافتنا وسلوكنا في العمل والإنتاج، فالتضامن في وجه الفقر والإساءة إلى الموارد والمرافق هو مبدأ أساسي في الثقافة الإسلامية والعربية.

   لقد استطاعت دول صغيرة أن تحقق بالغابات والمراعي اقتصادا متقدما يصدر للعالم من المنتجات المتجددة من الصناعات الغذائية والأخشاب والصناعات القائمة عليها أضعاف ما تصدره الدول العربية من النفط، في الوقت الذي نملك فيه من البوادي والمراعي والجبال والمناخ والتجارب ما يؤهلنا لنجاح أكبر.

   ما الذي يمنع قيام استثمارات مشتركة مع المجتمعات والناس تعود على الشركات والبنوك بالربح وعلى المجتمعات بالتنمية والتقدم أيضا، وتقوم على تنمية الغابات والبوادي والأودية والجبال، فتنشأ تجمعات سكانية تدير مشروعات للأخشاب والأثاث ومواد البناء والوقود والسياحة، وتنشئ مزارع للمواشي والطيور والنحل والأسماك تقوم عليها صناعات غذائية وألبسة وأحذية واحتياجات مستمدة من الجلود والصوف؟

   إن رأس المال متوفر كما تدل معلومات البنوك وأسواق الأسهم، ويفترض أن الجامعات والمدارس توفر موارد بشرية مؤهلة، ونسبة الفتوة في المجتمع تشجع على مشروعات ومغامرات رائدة.

   لدينا في الأردن حوالي مليون جامعي، وأكثر من مليون وثلاثة أرباع المليون من الطلاب في المدارس والكليات والجامعات، أليست ظاهرة تقترب من الكارثة وتحتاج أن نقف عندها طويلا أن أفضل كتاب لا يوزع أكثر من ألف نسخة؟

   والنقابات المهنية تمثل فئة استهدفتها الضرائب والتشريعات على نحو يضر بها ويهمشها، وتكاد تكون مستبعدة من التنافس على الموارد والفرص والوظائف، ولا تقدر على إسماع صوتها، وتستطيع بوسائلها ومواردها المتاحة أن تساعد منتسبيها على العمل والرفاه والإنتاج والانتماء والمشاركة.

   لا بد أنه طبيب أو يعمل في مهنة طبية كما يبدو من المريول الأبيض المعلق في سيارته ذلك الذي قاتل بعنف وأشار بأحد أصابع يده مثل أولاد الشوارع ليمنع الناس من المرور في الشارع، ولا بد أنه موظف متعلم ذلك الذي منع بسيارته الحكومية ومنبهها المرعب طفلا في الصف الثالث الأساسي يقود أخته التي في الروضة من العبور إلى مدرستهما وأجبرهما على العودة من منتصف الطريق في شارع فرعي ربما لا يمر به إلا القادمون إلى المدرسة، ولعله كان هناك ليوصل أولاده إلى المدرسة بسيارة يشارك والد الطفلين في ثمنها، أليست هذه الممارسات التي تقع كل يوم آلاف المرات في شوارعنا ومؤسساتنا هدرا للموارد التي أنفقت في التعليم والتدريب والإدارة ولكنها لم توصلنا إلى سلوك حضاري يحمينا من الحوادث والموت والإعاقة والإصابات والاحتقان والضغوط؟

التعليق