فوز حماس: قراءة في الأوراق الإنتخابية الإسرائيلية

تم نشره في السبت 28 كانون الثاني / يناير 2006. 02:00 صباحاً

فاجأ فوز حركة حماس، بهذه النسبة العالية، الحلبة السياسية الاسرائيلية، مما ادى الى اندلاع جدل حاد في الأجهزة الاستخباراتية الاسرائيلية، حسب ما افادت به وسائل اعلام اسرائيلية، حول كيف أن فوزا كهذا لم يكن متوقعا، إلا ان عامل المفاجأة الأكبر وقع على الاحزاب الاسرائيلية الكبرى التي تنافس على الحكم في اسرائيل، وخاصة على حزب "كديما" الذي تمنحه استطلاعات الرأي حتى قبل ثلاثة ايام مركز الصدارة من دون منافس، وحتى ان مجموع المقاعد المتوقعة له، اكثر من مجموع الحزبين التاريخيين المتنافسين على السلطة، "العمل" و"الليكود".

   وحين نقول استطلاعات الرأي حتى قبل ثلاثة ايام، فإن المقصود هنا انه الآن باتت جميع احتمالات التقلبات السياسية في اسرائيل مفتوحة من جديد، حتى الانتخابات الاسرائيلية في نهاية آذار (مارس) القادم، في اعقاب نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وهذا ما سيتضح في الاسابيع القادمة ويعتمد على عدة عوامل داخلية بالاساس، وخارجية أيضا.

   المتغير الأول الذي سنلمسه قريبا، هو تغيير في البرامج السياسية للأحزاب الاسرائيلية الكبرى، التي لم يعد بامكانها تجاهل وجود سلطة فلسطينية جديدة بقوى لم تشارك من قبل في الحكم، ولها أجندة سياسية مختلفة عن السلطة السابقة، فحين يعلن قادة اسرائيل وقادة الأحزاب رفضهم لمفاوضة حكومة فلسطينية ترأسها حركة حماس، فإن هذا يجب ان ينعكس في نص البرنامج السياسي الذي يتحدث عن مفاوضات حول الحل الدائم، وقد تركز الاحزاب الاسرائيلية أكثر على المخططات احادية الجانب، كما جرى في عملية اخلاء مستوطنات قطاع غزة.

   ولكن الأمر الأكثر تأثيرا سيكون في شكل الخطاب والجدل السياسي في اسرائيل على خلفية فوز حماس، وهذا ما سيحرج احزاب اليسار والوسط، وسيزيد من حدة الخطاب اليميني في اسرائيل بزعامة حزب "الليكود" وغيره. فهناك تأثير للتقارير الدورية التي ستصدر عن أجهزة الأمن الاسرائيلية، فإن طغى على الخطاب السياسي والتقارير الأمنية عامل التخويف والترهيب للمواطن الاسرائيلي، فإن هذا سيعيد كما هائلا من الاصوات الى احزاب اليمين، بعد ان دلّت آخر الاستطلاعات، قبل فوز حماس، الى انحسار قوة اليمين في اسرائيل لصالح الوسط واليسار.

   كذلك فإن ما سيُحرج قوى الوسط واليسار في اسرائيل هو اغلاق الابواب كلها امام قنوات تفاوضية وحوارية مع السلطة الفلسطينية بقيادة حركة حماس، وهذا أيضا سيخدم احزاب اليمين التي ترفض اصلا كل اشكال المفاوضات.

   في يوم الخميس، يوم ظهور النتائج، لمسنا جيدا حالة التخبط في حزبي "كديما" بصفته حزب "الوسط" الأكبر، وحزب "العمل" بصفته حزب اليسار الصهيوني الأكبر، فخلافا للتقليد السياسي الاسرائيلي فقد صمت رئيس الحكومة بالوكالة أيهود اولمرت، ولم تصدر حكومته أي بيان، إلا في منتصف ليلة اليوم التالي للانتخابات، وأجمع المحللون الاسرائيليون على ان هذا التأخير في صدور الموقف انعكاس لعامل المفاجأة الكبير، والحيرة التي اصابت اولمرت ومجموعته، وهناك من اعتبر ان اولمرت حافظ حتى الآن على نهج لم يكن فيه أي خطأ، من منظور اسرائيلي، ولهذا فإنه لم يتسرع في اطلاق موقف يكون ملزما له لاحقا.

   أما في حزب "العمل"، فقد بدا التعلثم واضحا على قائده الجديد عمير بيرتس، فقد صرح صباح يوم الخميس برفضه المطلق لأي مفاوضات مع حركة حماس، ولكنه في ساعات المساء تراجع، واعلن انه سيراقب كيف ستتصرف حركة حماس مستقبلا، و"على أساس هذا النهج سنقرر كيف نتعامل"، كما قال بيرتس، وعلى ما يبدو فإن الأخير تسلم نتائج استطلاعات للرأي تفيد ان نصف الاسرائيليين يقبلون بمفاوضات مع حركة حماس في قيادة السلطة.

   إن الأمر الاساسي الذي سيسعى له اولمرت، من أجل الحفاظ على وضعيته الانتخابية هو ضمان مظلة دولية "دافئة" لاسرائيل، ليس فقط من قبل الولايات المتحدة وادارة جورج بوش، ولكن أيضا من الاسرة الدولية، ولهذا فإن البيان الحكومي الذي صدر في ساعة متأخرة من يوم الخميس، أكد على أن اسرائيل ستواصل التنسيق مع الولايات المتحدة والاسرة الدولية، في كيفية التعامل مع التطورات الحاصلة على الساحة الفلسطينية.

   إن الكرة الآن، كما هي دائما، موجودة في الملعب الاسرائيلي، وفقط لديه، كونه أصل المشكلة والقضية، باحتلاله الاراضي الفلسطينية، فهو الذي بدأ بالاحتلال وهو الذي عليه ان ينهيه، وحتى الهدوء الأمني النسبي الاسرائيلي فإنه بيد اسرائيل وحدها، فإن قررت العودة للتصعيد فهي تعرف الوسائل السريعة لإثارة الفصائل والمجموعات المسلحة.

   إلا أن التصعيد الأمني من جهة اسرائيل سيكون في هذه المرحلة مرهونا باعتبارات انتخابية سياسية، فأي تصعيد عسكري حالي قد تعرف اسرائيل كيف تبدأ به، ولكنها لا تستطيع معرفة كيفية تطوره، وهذا لن يخدم حزب "كديما" المسيطر على الحكومة في هذه المرحلة، كونه سيعزز خطاب اليمين الاسرائيلي الزاعم ان اخلاء مستوطنات قطاع غزة هو الذي قاد الى فوز حركة حماس.

   وتتوقع جهات أمنية اسرائيلية عليا، والى جانبها بعض المحللين العسكريين في اسرائيل ان فوز حماس، حتى قبل معرفة فوزها بالأكثرية المطلقة، سيجعل الحركة تعيد حساباتها الأمنية، "وتشعر بمسؤولية أكبر تجاه الجمهور الفلسطيني الذي يسعى أيضا لتأمين احتياجاته اليومية"، حسب ما جاء في أحد التقارير، وهذا ما يدفعها الى الاستمرار في اجواء التهدئة، ويعتقد بعض المحللين الاسرائيليين، ان اجواء التهدئة هي من الاسباب التي ساهمت في فوز حركة حماس.

   في المحصلة؛ فإن الحملة الانتخابية الاسرائيلية تفتح صفحة جديدة الآن، ولم تكن أي حملة انتخابية في اسرائيل من قبل، قد واجهها هذا الكم من المفاجآت، بدءا من انشقاق اريئيل شارون عن الحزب الذي أسسه، ليشكل حزبا جديدا، مرورا بسقوطه على فراش المرض، الذي لن يقوم منه الى الحلبة السياسية، على الاقل، ثم نتائج الانتخابات الفلسطينية التي باغتت الجميع، ولكن المفاجآت لن تنتهي، وقد تأتي أيضا من الساحة الفلسطينية، فالانتخابات الاسرائيلية ستجري بعد شهرين من الآن، وخلال هذه الفترة من المفترض ان تتشكل الحكومة الفلسطينية وتبدأ بممارسة نشاطها، والخطاب الصادر من هناك سيعكس نفسه أيضا على الساحة الاسرائيلية.

   إن اسرائيل لم تقف محايدة في هذه الانتخابات، وهذه اشارة يجب الوقوف عندها، فعناق الدببة الذي عانقته، بمنتهى الخبث، لكل الخصوم السياسيين لحركة حماس، ساهم هو أيضا في صنع النتيجة، وإذ تدعي اسرائيل اليوم ان الأجندة السياسية لحركة حماس ترفض مفاوضات مع اسرائيل، وان الشعب الفلسطيني اختار هذه الأجندة، فإن هذا الشعب رافق المفاوضات منذ أكثر من 12 عاما، واسرائيل نفسها هي التي صدّت جميع الأبواب، ودبت اليأس من العملية السياسية.

 

[email protected]

التعليق