انتصار لا يزعج إسرائيل!

تم نشره في السبت 28 كانون الثاني / يناير 2006. 02:00 صباحاً

الأكيد أن إسرائيل هي آخر من سيشعر بالانزعاج من فوز "حماس" في الانتخابات الفلسطينية. أين مشكلة إسرائيل مع سيطرة"حماس" على السلطة الوطنية الفلسطينية ما دام ذلك لا يتعارض مع الأهداف التي رسمها أرييل شارون في السنوات الأخيرة والتي يسير على هديها خليفته المتوقع أيهود أولمرت.

لو كانت إسرائيل لا تريد انتصار"حماس"، لكانت أعطت شيئاً للسيد محمود عبّاس(أبو مازن) رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية الذي مضت سنة على انتخابه في هذا الموقع خلفاً للراحل ياسر عرفات. كانت سنة كاملة أكثر من كافية كي تعلن الحكومة الإسرائيلية أن لديها شريكاً فلسطينياً تستطيع التفاوض معه. بدل ذلك ركّزت باستمرار على عدم وجود مثل هذا الشريك، ونفّذت في الوقت نفسه عملية الانسحاب من جانب واحد في غزة. وترك ذلك انطباعاً لدى أفراد من أبناء الشعب الفلسطيني بأن اسرائيل انسحبت من القطاع تحت ضغط المقاومة، علماً أن هدفها الثابت منذ فترة طويلة يتلخّص بالتخلص من غزة ومن العبء الديموغرافي الذي تشكله في أسرع ما يمكن... وبأقل مقدار ممكن من الأضرار، وهذا ما حصل بالفعل!

بعد انتصار "حماس"، وهو انتصار لم يفاجئ سوى الذين رفضوا اجراء قراءة في العمق لنتائج الانتخابات البلدية الأخيرة، لم يعد كافياً أن تعلن الحركة أنها في هدنة طويلة مع اسرائيل في انتظار اليوم الذي تجد نفسها تمتلك ما يكفي من القوة للزحف إلى حيفا وتل أبيب واستعادة القدس من بابها الى محرابها. ثمة حاجة الى اعادة نظر شاملة في استراتيجية الحركة، في حال كانت ترفض بالفعل الاّ تكون في خدمة السياسة الإسرائيلية. وفي هذا المجال، يفترض في"حماس" التي استفادت الى أقصى حدّ ممكن من الأزمة الخانقة التي تمر بها"فتح"، الاعتراف بأنها باتت تسيطر على المجلس التشريعي بفضل اتفاق اوسلو. كلاّ لم يمت اتفاق أوسلو. فالسلطة الوطنية التي على رأسها "أبو مازن"، وهي السلطة التي نظّمت الانتخابات التي فازت فيها "حماس" هي من ثمار أوسلو لا أكثر ولا أقل. هذا هو الواقع الذي على "حماس" التعاطي معه تماماً مثلما أن هناك واقعاً جديداً لا يمكن الهروب منه ويتمثّل في أن"حماس" صارت تسيطر على المجلس التشريعي الفلسطيني وسيترتب عليها في غضون أيام أو أسابيع قليلة تشكيل حكومة جديدة تتولى إدارة شؤون الناس في الضفة الغربية وغزة من جهة والتعاطي مع الاحتلال الإسرائيلي والعالم على رأسه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى. اللهم الاّ إذا كانت "حماس" تعتبر أن العالم بالنسبة اليها هو النظام الإيراني الذي التقى رئيسه محمود أحمدي نجاد، قبل أيام في دمشق، رئيس مكتبها السياسي السيّد خالد مشعل مع مجموعة من القياديين الفلسطينيين الرافضين بطريقة أو بأخرى للسلطة الوطنية الفلسطينية وللمشروع السياسي الواقعي والقابل للحياة الذي يحمله"ابومازن".

في حال قرأنا بتمعّن الكلمات التي ألقيت قبل أيام في هرتسيليا حيث تلتقي سنوياً كل القيادات الإسرائيلة السياسية والأمنية، نجد أن التركيز هذه المرّة كان على الاستمرار في مشروع شارون، أي رسم حدود نهائية لدولة اسرائيل من جانب واحد استناداً الى"الجدار الأمني" الذي يستمر بناؤه، والذي سيبتلع أجزاء من الضفة الغربية بالإضافة بالطبع الى القدس، كل القدس، بما في ذلك القدس الشريف. وذهبت وزيرة الخارجية الاسرائيلية الجديدة تسيفي ليفني- في خطابها في هرتسيليا- الى حدّ الدعوة الى إقامة دولة فلسطينية، بل الى التشجيع على ذلك، في مقابل رسم الحدود النهائية لإسرائيل بما يتناسب والمشروع الاستعماري لشارون، أي بضم المستعمرات الكبيرة المقامة في الضفة الى الدولة اليهودية من جهة وتخلي الجانب الفلسطيني عن حقّ العودة من جهة أخرى.

هل أفضل من الهدنة الطويلة التي تعد بها "حماس" الشعب الفلسطيني لتنفيذ هذا المشروع الذي يبدو واضحاً أنه يلقى دعم المؤسسة السياسية- الأمنية الإسرائيلية؟ في ضوء ما تعدّه إسرائيل وما تخطط له، يبدو انتصار "حماس" أكثر من طبيعي. اين المشكلة مع حكومة فلسطينية في حال قطيعة مع العالم؟ واين المشكلة مع حكومة فلسطينية تنادي بما ينادي به الرئيس الإيراني الجديد الذي اعتبرته إسرائيل بالنسبة لها بمثابة هدية من السماء مثل هدايا العمليات الانتحارية التي نفذتها"حماس" أو "حركة الجهاد الإسلامي" ؟ أين المشكلة مع طرف لا يريد التفاوض بحجة أن فلسطين "وقف إسلامي" وأن المطلوب تحريرها من البحر الى النهر أو من النهر الى البحر لا فارق؟ أين المشكلة مع حركة ستعيد المجتمع الفلسطيني الى خلف؟ أين المشكلة في تجدد الأزمة داخل"فتح" بما يهدد مستقبلها كحركة منفتحة على كل تطور وتقدم؟

في حال لم تتبدّل"حماس" جذرياً وتدخل تعديلاً في العمق على خطابها السياسي، يمكن القول منذ الآن إن انتصارها في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني لم يكن هزيمة لـ"فتح" بمقدار ما كان للأسف الشديد انتصاراً للمشروع الاسرائيلي الجديد، والأمر الواقع الذي يسعى الى فرضه على الشعب الفلسطيني.

التعليق