العامل الطائفي اليهودي والإنتخابات الإسرائيلية

تم نشره في الاثنين 23 كانون الثاني / يناير 2006. 02:00 صباحاً

   رغم مرور قرابة 58 عاما على قيام اسرائيل، إلا انها ليست قادرة بعد على خلق مجتمع واحد منصهر، ولا تزال الاصول المختلفة لليهود هي الانتماء الأقوى للكثير منهم، وينعكس هذا على طبيعة حياتهم العامة والشخصية، وعاداتهم المختلفة ولغات اوطانهم الاصلية المتداولة في بيوتهم، وحتى مطبخهم.

   وينقسم اليهود في اسرائيل، بالاساس، الى مجموعتين، اوروبية غربية (الاشكناز) وشرقية (سفراديم)، وفي السنوات الخمس عشرة الأخيرة نشأت مجموعة ثالثة، وهي مجموعة المهاجرين التي تعد قرابة 1.2 مليون نسمة، أكثريتها الساحقة من دول الاتحاد السوفييتي السابق.

   ومنذ السنوات الأولى يسيطر اليهود الاشكناز على كل مؤسسات الدولة، وعانى اليهود الشرقيون، الذين هاجروا بأكثريتهم الى فلسطين من الدول العربية وبالدرجة الاولى المغرب ثم العراق ثم اليمن وباقي الدول، من سياسة تمييز موجهة ضدهم، وكانت احياء الفقر والبؤس، بداية، حكرا على اليهود الشرقيين، ولاحقا انضم اليهم المهاجرون من دول الاتحاد السوفييتي السابق. وفي سنوات السبعين بدأ صوت الشرقيين يعلو أكثر في صرختهم ضد سياسة التمييز الاشكنازية، وظهرت حركة "الفهود السود"، وهي مجموعات شبان يهودية شرقية، نظمت المظاهرات وأعمال الاحتجاج المختلفة، ونسبت اليها عمليات مثل اقتحام كبرى المتاجر لاطعام الفقراء الجوعى وغيرها، وحاول الاعلام الاسرائيلي اظهارها على انها حركة فوضوية وفيها الكثير من الجنائيين، وفي وقت لاحق انضمت مجموعة كبيرة جدا من هذه الحركة الى الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الناشطة بالاساس بين فلسطينيي 48، ويشكل الحزب الشيوعي عمودها الفقري، وقد خرجت الحركة من الجبهة في العام 1990، وزالت عمليا عن الساحة السياسية.

   وفي العام 1984 ظهر اول حزب قوي يمثل اليهود الشرقيين، وبالاساس المتدينين منهم، وهو حزب "شاس" الاصولي، الذي ارتكز في دعايته الانتخابية على العامل الطائفي، ويعزو الحزب أي تعامل معه، او أي قرارات وسياسة حكومية الى العامل الطائفي، ولهذا السبب فإن الأكثرية الساحقة من مصوتيه ليسوا من اليهود الاصوليين، وانما من الجمهور الشرقي العام.

   ويظهر الخطاب الطائفي بقوة عادة في المعارك الانتخابية البرلمانية في اسرائيل، وتحاول عدة حركات بلورة قوائم انتخابية تدافع عن حقوق الشرقيين لا تجتاز أكثريتها نسبة الحسم، وتبقى الحركة الاقوى "شاس" التي لم تتأثر حتى الآن من ظهور حزب "كديما"، وتتنبأ لها استطلاعات الرأي بثبات قوتها البرلمانية وهي 11 مقعدا، وقد تخسر مقعدا او اثنين، او ان تبقى على حالها.

   وفي الاسبوعين الاخيرين بدأت الأحزاب في اسرائيل تشكيل قوائمها الانتخابية، والانتخابات في اسرائيل هي قطرية على اساس قوائم انتخابية، وعدد مقاعدها متعلق بالنسبة المئوية التي تحققها القائمة من مجمل الأصوات، وحتى الآن أنهى حزبا "العمل" و"الليكود" هذه المهمة، فيما تسربت لوسائل الاعلام التشكيلة المحتملة، وهناك خط جامع في هذه الكتل الثلاث، فعلى الرغم من أن اليهود الشرقيين نسبتهم اليوم في حدود 45% مقابل 20% للمهاجرين الجدد، والباقي من الاشكناز، إلا ان نسبتهم في المواقع المتقدمة في الأحزاب الكبرى هي في حدود 20%.

   فصحيح ان زعيم حزب "العمل" هو اليهودي الشرقي عمير بيرتس، الذي ولد في المغرب العربي، إلا انه في العشرة الاوائل للقائمة هناك شرقي واحد، وهو الوزير الاسبق بنيامين بن اليعيزر الذي يحتل المقعد الثامن، وعادة فإن العشرة الأوائل هم "الواجهة"، واعضاؤها الأوفر حظا في الحصول على حقائب وزارية مستقبلا، والأمر مثله تقريبا نجده في الليكود، الذي يتزعمه الاشكنازي بنيامين نتنياهو، ويتلوه يهوديان شرقيان في المقعدين الثاني والثالث وهما الشرقيان الوحيدان في العشرة الاوائل.

   وحسب ما تسرب الى وسائل الاعلام، فإنه في العشرة الاوائل في حزب "كديما"، الذي بات يتزعمه ايهود اولمرت بعد غياب شارون، يوجد ثلاثة يهود شرقيين فقط، أحدهم وزير الأمن (الدفاع) شاؤول موفاز ويحتل المقعد الرابع، بعد ثلاثة اشكنازيين اوائل.

   بعد اقل من 20 يوما ستبدأ في اسرائيل الحملة الانتخابية الرسمية، وكما شهدنا في السنوات العشرين الماضية، بالاساس، فإن العامل الطائفي سيظهر بقوة، أو كما اصطلح على تسميته في اسرائيل "شيطان الطائفية سيرفع رأسه من جديد"، وسنشهد منافسة شديدة على "كسب عطف" الشرقيين، وهذا الأمر لمسناه جيدا في اللحظات الأولى التي انتخب فيها عمير بيرتس رئيسا لحزب "العمل"، فكانت الكلمات الأولى التي نطق بها في "خطاب النصر": "علينا اخراج شيطان الطائفية من داخلنا"، وردد هذه العبارة كثيرا، ولم يكف عن ترديدها في الأيام الاولى لانتخابه، وهذا لأنه فاز بزعامة الحزب الذي عرف عنه انه حزب الاشكناز، الذي حكم اسرائيل في سنواتها التسع والعشرين الاولى، فإن هذا الحزب بالذات هو الذي وضع ورسخ سياسة التمييز ضد اليهود الشرقيين، وكان سبق بيرتس في هذا المنصب في العام 2002 بنيامين بن اليعيزر، العراقي الأصل، ولكنه لم يصمد في منصبه لأكثر من عشرة أشهر.

   لقد تخوف بيرتس من جنوح مصوتي الاشكناز الى احزاب أخرى بسبب تزعمه الحزب، وراهن المحللون على ان بيرتس سيعوض من اصوات الشرقيين الذين سيرون به قائدا، وحتى الآن لم ينعكس هذا المشهد على استطلاعات الرأي، ولكن حزب "العمل" سيدخل من خلال عمير بيرتس الى احياء الفقر التى "بناها" بسياسته، ويطلب اصواتهم.

   أما حزب "شاس" فلا يمكنه خوض أي حملة انتخابية من دون ابراز سياسة التمييز ضد الشرقيين، والحديث عن حقهم في اشراكهم أكثر في "ادارة شؤون الدولة"، وهذه الدعاية التي لم تتغير منذ 22 عاما، ستكون مدار نقاش جدي في هذه الانتخابات.

   وإذا كنا ركزنا هنا على القضية الاساس من حيث الحجم، فهذا لا يعني ان سياسة التمييز بين مجموعات اليهود تتوقف عند هذا الجانب، فمثلا في السنوات الاخيرة هناك تمييز مفضوح ضد الاثيوبيين اليهود، الذين دفعتهم اسرائيل إلى الهجرة اليها في موجتين كبيرتين، الاولى في مطلع سنوات الثمانين، والثانية مع الهجرة من دول الاتحاد السوفييتي في العقد الماضي، ويعاني الاثيوبيون، الذين لا يتجاوز عددهم المائة الف، من صنوف مختلفة من التمييز والنفور، ويُذكِّر كثيرا بمعاملة السود بالشكل الذي كانت عليه حتى قبل عشرات السنوات في الولايات المتحدة. فقد دلت استطلاعات سابقة على ان أكثرية اليهود في اسرائيل يرفضون السكن في احياء او بنايات فيها عائلات اثيوبية، والأمر ذاته يتعلق بمقاعد الدراسة، وعبّر عدد في رؤساء البلديات في اسرائيل في السنوات الأخيرة عن رفضهم لاسكان اثيوبيين في بلداتهم.

   ولا بد من الاشارة الى انه مهما تصل وحشية هذا التمييز، إلا انه يبقى بعيدا عن مستوى التمييز الرهيب الذي يعاني منه فلسطينيو 48، ابناء الوطن الاصليون، منذ 58 عاما.

كاتب ومحلل سياسي من الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق