بعد 47 يوما على تأسيسه:"كديما" إلى المصير المجهول

تم نشره في السبت 7 كانون الثاني / يناير 2006. 02:00 صباحاً

 لم يمر على حزب "كديما" الذي اقامه رئيس الحكومة الاسرائيلية، اريئيل شارون، سوى 47 يوما، إلا أن هذه الفترة التي لا تُذكر لصغرها، كانت كافية لإحداث سلسلة من التفجيرات في الخارطة الحزبية في اسرائيل، فبداية كان تشكيل الحزب بمثابة حزام المتفجرات الذي دمّر حزب الليكود الحاكم، على الاقل في استطلاعات الرأي، ليكون"كديما" وفق هذه الاستطلاعات الحزب الأول من دون منافس، يليه حزب "العمل" الذي اقترب بداية من"كديما" في استطلاعات الرأي بفارق ضئيل، ولكن في الاسابيع الخمسة الأخيرة سجل تراجعا كبيرا ليصل الى نصف قوة "كديما"، أما الليكود فقد ظهر كحزب ضعيف، ليصل بالكاد الى ثلث قوة "كديما" وحتى أقل.

ولكن في المقابل كان واضحا للجميع ان "كديما" مرتبط بشخص شارون فقط، من الناحيتين السياسية والشخصية، ولهذا فقبل ثلاثة اسابيع، حين أصيب شارون بالجلطة الدماغية الأولى ضبطت اسرائيل انفاسها، حتى ظهر شارون بعد 36 ساعة "معافى" وعاد ليزاول عمله. ولم يكن أحد يتوقع ان تتحقق توقعات مصير"كديما" بهذه السرعة، بمعنى التشكيك بمصيره لمجرد ان قائده (شارون) غاب عن الحلبة السياسية، على الأقل، إن لم يكن كليا، على الرغم من انه من السابق لأوانه اصدار بيان "النعي" لهذا الحزب.

إن القلق في الحلبة السياسية في اسرائيل ليس نابعا من القلق على الحكم، فاسرائيل دولة مؤسسات، ولكن القلق نابع من أمرين بالأساس، الأول هو ان كل هذه التطورات تجري واسرائيل تسير نحو انتخابات برلمانية، والحكومة هي حكومة مؤقتة، ومن المؤكد انه بعد ما جرى الآن، فإن كتاب القوانين الاسرائيلي سيشهد الكثير من التعديلات في الولاية البرلمانية القادمة لتدارك فجوات قانونية لتواجه هذه الحالة.

أما السبب الثاني هو ان الحزب الذي تتنبأ له استطلاعات الرأي قيادة اسرائيل لأربع سنوات، لا يزال في أيامه الاولى، ويفتقر للمؤسسات والهيئات التنظيمية القادرة على انتخاب قيادة وقائد بشكل منظم، وسيتركز الأمر على مجموعة من الشخصيات السياسية، الوزراء منهم او النواب، وغالبيتهم الساحقة ليست من الاسماء القادرة على جرف الشارع الاسرائيلي، وهذه نقطة ضعف للحزب، الذي سنراقب كيف سيتعامل معه الشارع في الاسابيع القادمة.

وسارع البعض في اسرائيل لإطلاق توقعات"تتنبأ" باندثار"كديما"، وتناقلت وسائل الاعلام بعض الأخبار العاجلة، التي يظهر فيها زعيم حزب "العمل" عمير بيرتس، وزعيم "الليكود" بنيامين نتنياهو كمن بدءا بالبحث عن كيفية تقاسم"الورثة" التي سيخلفها شارون، فقيل ان عمير بيرتس بدأ يفحص امكانية اعادة شمعون بيرس الى حزب "العمل"، وكذا الامر فعله نتنياهو لشخصيات من حزب "الليكود"، هجرت الحزب لصالح "كديما"، ولم يكن نفي الاثنين لهذه الأنباء حازما أو مقنعا في تصريحاتهما لوسائل الاعلام الاسرائيلي.

وحين نقول إنه من السابق لأوانه اصدار بيان"النعي" لـ "كديما"، فالمقصود هو انه في الأيام القادمة، وحتى لثلاثة اسابيع على الاقل، سنشهد تأييدا "تعاطفيا" لـ "كديما"، وهذا ما أكدته استطلاعات الرأي التي نشرت في اليومين الماضيين، في اعقاب مرض شارون، فقد تنبأت بثبات "كديما" باحتلاله ثلث مقاعد الكنيست، من 40 الى 42 مقعدا، مقابل حصيلة حضيض جديد لحزب"العمل"، بحصوله على 18 مقعدا، والليكود في حضيض أكبر، 13 وحتى 15 مقعدا، من أصل 120 مقعدا في البرلمان.

ومن المؤكد ان هذا استطلاع تعاطفي، لا يعكس الصورة النهائية التي سنشهدها بعد أقل من ثلاثة اشهر من الآن، ومصير"كديما" سيكون مجهولا، على الأقل من حيث الحجم الذي سيحتله في البرلمان القادم، ويقول المحلل السياسي لصحيفة"هآرتس" الاسرائيلية، ألوف بن، انه إذا شهدنا الآن استطلاعات رأي تتنبأ لنا ببرلمان وحيد القرن، فسنكون امام ثلاثة رؤوس متوازية تقريبا، "كديما" و"العمل" و"الليكود"، ونضيف على هذه المعادلة لنقول انه لن يكون بالامكان معرفة أي من هذه الأحزاب الثلاثة سيصل الى خط النهاية اولا.

ونعتمد في هذا التقدير على انعكاسات رحيل أكثر تراجيدية من وجهة نظر الشارع الاسرائيلي، وهو اغتيال رئيس الحكومة الأسبق يتسحاق رابين، في خريف العام 1995، الذي أحبه الاسرائيليون، فهو جنرال الحرب الابرز، وايضا خطا خطوة كبيرة في العملية السياسية، وفور اغتياله تنبأت استطلاعات الرأي جرفا هائلا لحزبه، فسرعان ما تبددت الصورة ليخسر حزبه الحكم بعد ستة اشهر.

وفي هذه الايام فإن الاسرائيليين واقعين، كالعادة، تحت تأثير اعلام على مدار الساعة والأيام دون توقف، وتمسكهم معاهد الاستطلاع في"أوج عواطفهم" هذا جانب. ومن جانب آخر، فإن الأحزاب المنافسة لكديما لا يمكنها البقاء في"بيت العزاء"، بل ستخرج منه بسرعة فائقة لتشهر جميع اسلحتها نحو "كديما"، فصاحب البيت ولى والغنائم كثيرة، ويعتبرونها ملكهم التي استولى عليها شارون بغفلة.

إن رصيد "كديما" حتى الآن، كان مبنيا على شخص شارون وليس على برنامجه السياسي، لأن برنامج شارون في الجوهر هو الخطوط العريضة لشبه الاجماع الصهيوني في اسرائيل، مع اختلافات وتباينات محدودة هنا وهناك، فمثلا هناك شبه اجماع على مسألة بقاء احتلال القدس، أما الاختلاف ينحصر بأطراف المدينة وضواحيها العربية وليس البلدة القديمة، كما هناك اجماع على رفض حق العودة للاجئين الى مناطق 1948، وشبه الاجماع الأخير هو الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، والاختلاف يدور حول ازاحة خطوط هنا وهناك.

بمعنى آخر ان خطوط شارون العريضة تفسح المجال لجميع الاتجهات الصهيونية، اليسارية منها واليمينية لتسبح فيها وحتى قبولها والتلويح بها، وافضلية شارون امام الشارع الاسرائيلي بزعم انه اثبت قدرته على تنفيذ ما يخطط له، والمقصود هنا اخلاء مستوطنات قطاع غزة. فجميع حكام اسرائيل تقريبا، ارادوا الخروج من القطاع ولكنهم لم يتجرأوا، باستثناء شارون، على الرغم من نوايا شارون المتسترة في اخلاء مستوطنات قطاع غزة.

وعمليا، إذا غاب شارون فإن من بقي في"كديما" ليس لديه الميزة القيادية المقنعة للشارع الاسرائيلي بأنه قادر على تطبيق مشروعه السياسي، وهذه نقطة الضعف الاكبر لـ"كديما". فمن وجهة نظر الشارع الاسرائيلي فإن الباقين في "كديما" لن يختلفوا من حيث القدرات عن باقي زعماء الاحزاب الكبيرة في اسرائيل.

صحافي ومحلل سياسي من الناصرة

 [email protected]

التعليق