شارون يسعى لتغييب الشريك الفلسطيني

تم نشره في الخميس 5 كانون الثاني / يناير 2006. 02:00 صباحاً

   نشر رئيس تحرير صحيفة "معاريف" الاسرائيلية، أمنون دانكنر، والصحافي بن كسبيت، هذا الاسبوع تقريرا مشتركا، مفاده ان رئيس الحكومة الاسرائيلية، اريئيل شارون، يسعى الى اقناع الولايات المتحدة بقبول التوقيع معه على اتفاق لفرض حدود بين اسرائيل والضفة الغربية المحتلة، من جانب واحد، ومن دون موافقة الفلسطينيين، بزعم "عدم وجود شريك فلسطيني"، وان السلطة الفلسطينية "أثبتت" انها غير قادرة على فرض سلطتها على الشارع الفلسطيني، على حد زعم الصحافيين.

   في الحقيقة، إن التجربة مع هذين الصحافيين "ليست موفقة"، إلا انهما في هذه المقالة دمجا بين المنطق وبين اللامنطق، وأكدا مجددا، وضمنا، ان اسرائيل لم تخرج من دائرة المعتقدات السياسية التي تحاصر نفسها فيها، فهي تتحرك وكأنه لا يوجد سواها في الحلبة، مع أن تجربتها أثبتت عكس ذلك، فقد تأكد لها انه ليس بمقدورها فرض حلول فوقية تنهي الصراع، وعلى الاقل في هذه المرّة باعتراف الوزير، مئير شطريت، الذي قال معلقا على هذا التقرير، إن اسرائيل تسعى الى حل ينهي الصراع، وفرض حل بالقوة حتى بموافقة اميركية سيؤجج الصراع ولا يوقفه.

   في الجوهر لم يأت الصحافيان بجديد، وقد تحدثا بعموميات ولم يأتيا بتفاصيل واضحة، ونجحا في احداث زوبعة سياسية اعلامية محلية وبدرجة أقل عالمية. لكن هذا التقرير لم يأت من فراغ، بل هو عمليا ما يسعى له شارون، فهو يعرف انه لن يجد فلسطينيا واحدا يقبل بالتوقيع معه على ما يحلم به شارون نفسه، وهو ضفة غربية مجزأة متناثرة، عبارة عن مجموعة كانتونات فلسطينية تفصل في ما بينها تكتلات استيطانية، وجدران اسمنتية شاهقة، لتكون الضفة بقعة أرض لا يمكن تصور بناء مجتمع طبيعي فيها.

   وادراكا من شارون لحقيقة عدم وجود فلسطيني واحد يقبل بمخططاته، فإنه لجأ طوال الوقت الى "اقناع" العالم بفرية "عدم وجود شريك فلسطيني"، وكان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات "فريسة" سهلة في هذه الهجمة السياسية، مستفيدا، شارون، من الدعم الاميركي الاعمى له، فتم تحييد الرئيس عرفات ومحاصرته على مدى ثلاث سنوات في مقره في رام الله، وأعد شارون خطة ما يسمى بـ "فك الارتباط" أيضا على مبدأ "غياب الشريك الفلسطيني".

   وحين تم انتخاب محمود عباس لمنصبه، حاول شارون تكرار الأمر، فإذا عدنا بالذاكرة الى تصريحات شارون والمقربين منه بعد اسابيع قليلة من انتخاب عباس قبل عام، نجد انهم استخدموا نفس العبارات التي استخدموها ضد عرفات، ولكن اللعبة كانت مفضوحة الى درجة ان الادارة الاميركية ذاتها كانت محرجة، ورفضت علنا الانخراط في الحملة الشارونية ضد عباس.

   وأمام هذا الوضع فإن شارون بدأ يبحث عن مخرج آخر للتوصل الى مبتغاه، ونراه في الاسابيع الاخيرة يتشبث بقضيتي فوضى السلاح في الشارع الفلسطيني من جهة، وتوقع ارتفاع قوة حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية من جهة أخرى.

   وفي القضية الاولى، فللأسف، فإن شارون ليس بحاجة الى جهد كبير لعرض مشاهد فوضى السلاح في الشارع الفلسطيني التي وصلت الى حد لا يمكن استيعابه وتحمّله، فاستفحال مظاهر العربدة المسلحة في الشارع الفلسطيني، خاصة في قطاع غزة، هو جريمة تسهّل على شارون واسرائيل تمرير مخططه، على الأقل لعشرات السنوات القادمة، وبالامكان الآن نسج خطاب رنان للحديث عن فشل المخططات الصهيونية وما الى ذلك، ولكن ليكن معلوما فإن الاحتراب الفلسطيني الداخلي هو أمنية صهيونية سعى لها حكام اسرائيل طوال الوقت، وهناك من ابناء جلدتنا من يدفعنا الى هذه الهاوية السحيقة.

   وهنا نترك شارون لبرهة، لنقول إن ما يجري اليوم في الشارع الفلسطيني هو جريمة بحق الشعب اولا، وبحق تاريخه النضالي، فنحن لم نسع الى هذا المولود، ولن نبحث عن تبريرات لهذه العصابات، لا في تاريخ وحاضر الاحتلال وجرائمه، ولا في السلطة الفلسطينية. وهذا موضوع يجب ان يكون حاسما، وحتى التشكيك بمن يقف وراء هذه الفوضى أصبح مشروعا جدا، فمن اختار السلاح وسيلة للحوار الداخلي فليعلم انه يلعب في ملعب الاحتلال، ومن يريد ابعاد الشبهات عن نفسه فليطو سلاحه ويحترم شعبه وسلطته.

   أما في ما يتعلق بحركة حماس، فإن اسرائيل تستغل الانطباع العام في الأسرة الدولية حول الحركات الاصولية، ولاسرائيل دور كبير في خلق هذا الانطباع، وحِكْر الارهاب على مجموعات اصولية، وفرض طابع ديني ظالم عليه، ودمغ النضال التحرري الفلسطيني بـ"الارهاب"، بهدف خلط الاوراق وتغييب الحق الفلسطيني عن الخطاب السياسي العالمي.

   وقد مهّدت اسرائيل كثيرا لهذه الاجواء، مستفيدة من اختلال موازين القوى في الساحة الدولية، وجعلها منحازة للاحتلال بدلا من مساندة ضحيته، وتعتقد اسرائيل ان فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، بسبب حالة الترهل والتفكك في حركة فتح، وتبعثر قوى اليسار الفلسطيني، سيعطيها "الذريعة" المدعومة اميركيا، بأن الشعب الفلسطيني يرفض خيار التفاوض، ولهذا فإن اسرائيل تقوم بقسطها في هذه العملية الانتخابية الفلسطينية.

   وهنا قد ندخل في صياغات شائكة قد يتم تفسيرها على وجهين، ولهذا أستَبقُها بالتأكيد على ان حركة حماس هي حركة وطنية مناضلة يحق لها مقاومة الاحتلال الجاثم على ارض شعبها، كأي فصيل فلسطيني آخر، ويُسجل لصالحها موقفها المبدئي باعتبار صندوق الاقتراع هو الأمر الحاسم للنقاش الدائر في الشارع الفلسطيني، وإن منحها الشعب الفلسطيني ثقته بشكل ديمقراطي فهو قرار يتوجب احترامه.

   لكن من جهة أخرى، فإن اسرائيل تعرف ان المكروه من قبل الاحتلال مرغوب من الشارع الفلسطيني، وقد أكد الكثير من السياسيين والمحللين الاسرائيليين ان "حالة الرعب" التي تحاول اسرائيل خلقها الى جانب التهديدات التي تطلقها امام احتمال فوز حركة حماس، انما تعزز مكانة الحركة وقوتها، حتى بات الانطباع بأن اسرائيل تفضل حركة حماس على حركة فتح لتختلق ذريعة امام الاسرة الدولية تبعدها عن طاولة المفاوضات.

   إن الحل المطلوب اليوم هو انهاء حالة فوضى السلاح الاجرامية في الشارع الفلسطيني، واعطاء الشعب الفلسطيني ان يختار ممثليه بحرية، وان تحترم أي جهة فائزة المشروع الفلسطيني الجماعي المتفق عليه منذ ثلاثين عاما، وليس الفكرة الايديولوجية التي تقف وراء هذا التنظيم او ذاك، فوحدة الشارع الفلسطيني في وجه المحتل، واعادة الهيبة للشعب الضحية واثبات قدرته على ادارة شؤونه بنفسه، هي الوصفة السهلة لافشال مخططات شارون واسرائيل.

صحافي فلسطيني وكاتب سياسي مقيم في الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق