جولة التنمية التي لم تكن

تم نشره في الاثنين 26 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 صباحاً

   كل ما حدث منذ بداية جولة التنمية لمحادثات التجارة العالمية في الدوحة في نوفمبر 2001، وهونج كونج في منتصف ديسمبر كان بمثابة خيبة أمل كبيرة في نظري. فبصفتي كبير خبراء الاقتصاد في البنك الدولي، توليت مراجعة جولة أوروجواي التي تمت في عام 1994، وانتهيت إلى أن جدول أعمال تلك الجولة ونتائجها اتسمت بالتحيز ضد الدول النامية. وفي شهر مارس 1999، ذهبت إلى المقر الرئيسي لمنظمة التجارة العالمية في جنيف لكي أدعو إلى عقد جولة تنمية ترمي إلى تقويم ذلك الخلل. ولوهلة تصورت أن دعوتي قد نالت الاهتمام.

   بعد عامين تلقيت طلباً من دول الكومنولث، وهي عبارة عن مجموعة من الدول المختلفة من الشمال والجنوب، التي كانت أغلبها من المستعمرات البريطانية السابقة، بإعداد دراسة للهيئة التي قد تبدو عليها جولة تنمية حقيقية. ومن المقرر أن تنشر مطبعة جامعة أكسفورد في غضون هذا الشهر نسخة موسعة من ذلك التقرير تحت عنوان "تجارة عادلة من أجل الجميع: كيف تستطيع التجارة أن تعزز من التنمية".

   والحقيقة أن جولة التنمية اليوم، تماماً كما كان التصور عنها، بل ومثلما آلت إليه بالفعل، أصبحت لا تستحق مسماها. ذلك أن العديد من القضايا التي تناولتها ما كان ينبغي لها أن توضع على جدول أعمال جولة تنمية أصيلة على الإطلاق، هذا فضلاً عن أن جدول الأعمال ذلك قد أغفل العديد من القضايا التي كان من المفترض أن يتناولها.

   فالزراعة ليست القضية الوحيدة - بل وربما ليست القضية الأكثر أهمية - فيما يتصل بالتجارة، إلا أننا ندرك بطبيعة الحال الأسباب التي أضفت على الزراعة هذا القدر الهائل من الأهمية. وحين بدأت جولة أوروجواي كانت هناك صفقة كبرى تتلخص في توسيع جدول أعمال التجارة بحيث تتضمن الخدمات وحقوق الملكية الفكرية - حيث تشكل هاتان القضيتان أهمية كبرى بالنسبة للدول المتقدمة. وفي المقابل كان على الدول المتقدمة أن تقدم تنازلات كبرى فيما يتصل بالزراعة - التي تمثل سبيل الرزق الوحيد للغالبية العظمى من السكان في الدول النامية - والحصص النسبية من المنسوجات، والتي تشكل المجال التجاري الوحيد (بجانب إنتاج السكر) الذي ما زال خاضعاً للقيود الكمية.

   في النهاية حصلت الدول المتقدمة على مبتغاها، بينما طُـلِب من الدول النامية أن تتحلى بالصبر: على وعد بأن الدول المتقدمة سوف تفي بجانبها من الاتفاق في آخر الأمر. وحتى مع أن الدول الغنية كانت تحث الدول النامية على التعجيل بتبني التعديلات، فقد زعمت أنها تحتاج إلى عقد من الزمان حتى تتمكن من الانتقال إلى نظام المنسوجات المتحرر من قيود الحصص النسبية. والحقيقة أن الدول الغنية كانت تسعى إلى كسب الوقت فحسب؛ فهي لم تحرك ساكناً طيلة عقد من الزمان، وحين انتهى نظام الحصص النسبية أخيراً في شهر يناير الماضي، تحججت الدول الغنية بأنها لم تكن مستعدة بعد، وعلى هذا فقد دخلت في مفاوضات مع الصين لمد المهلة لثلاثة أعوام إضافية.

   وما حدث في مجال الزراعة كان أسوأ وأضل سبيلاً. فبينما كان من المتصور أن الدول الغنية سوف تعمل على تخفيض الإعانات الهائلة التي تقدمها لمزارعيها والقيود التي تفرضها على الواردات الزراعية، نجد أن الولايات المتحدة على سبيل المثال قد بادرت إلى مضاعفة الإعانات. ولكن مثلها كمثل أي مفاوض حاد الذهن، زعمت الولايات المتحدة أنها على أسوأ الفروض قد انتهكت روح الاتفاقية وليس نصها.

   والذي حدث هو أن الولايات المتحدة، بدون أدنى شك، قد أقحمت نصاً مبهماً على الاتفاقية أدى إلى خلق فئات من الإعانات الزراعية المسموح بها - تلك التي لا تؤثر على التجارة- وبطبيعة الحال، كانت كافة الإعانات من ذلك النوع. ولكن من الواضح أن الولايات المتحدة ترى أن أي سلوك تسلكه لن يكون له تأثير مشوه على التجارة. (وعلى النقيض من هذا، فإن كل سلوك سلكته أوروبا كان فيه تشويه للتجارة في نظر الولايات المتحدة. والحقيقة أن واحداً من أعظم إنجازات الولايات المتحدة في مجال التجارة خلال العقد الماضي يتلخص في نجاحها في تصوير أوروبا وكأنها المجرم الحقيقي).

   لكن مزاعم الولايات المتحدة لم تستند إلى تحليلات اقتصادية - كما استنتجت منظمة التجارة العالمية حين أصدرت حكمها بشأن إعانات القطن الأميركية. فالمعونة تشوه التجارة إذا ما أدت إلى زيادة الإنتاج (ما لم تنجح على نحو سحري في رفع معدلات الاستهلاك بنفس القدر). وهذا هو ما تؤدي إليه الإعانات الزراعية في الولايات المتحدة بالتحديد.

   والحقيقة أن أولئك المتشككين في دول العالم النامي الذين يدركون أن الولايات المتحدة تتمتع بتاريخ حافل من المساومة مع إضمار سوء النية، لديهم حجة قوية.

   وبهذا تصبح الدول النامية في مواجهة خيار عصيب: هل تكون في حال أفضل إذا ما قبلت الفتات التي تقدم إليها؟ الحقيقة أن هذا قد يكون اليوم أكثر قسوة من أي وقت مضى: فمع تحول العديد من الدول النامية إلى أنظمة ديمقراطية نابضة بالنشاط، أصبح جمهور الناخبين قادراً على معاقبة الحكومات التي قد تقبل ما يُـنْـظَر إليه على نطاق واسع باعتباره اتفاقاً تجارياً ظالماً آخر.

   ومما لا يثير الدهشة أن مفاوضي الدول الغنية لا يترددون في ترديد أرقام هائلة حين يتعلق الأمر بوصف المكاسب الناجمة حتى عن اتفاق غير كامل. لكنهم فعلوا نفس الشيء في المرة الأخيرة أيضاً. وسرعان ما اكتشفت الدول النامية أن مكاسبها كانت أقل كثيراً من الأرقام المعلن عنها، كما اكتشفت الدول الأكثر فقراً أن حالها قد أصبحت أشد سوءاً. وبتعبير بسيط: لقد خسرت الدول المتقدمة مصداقيتها.

   من المؤكد أن الإنجاز العظيم الذي حققته جولة أوروجواي يتلخص في إرساء قاعدة قانونية أساسية في مجال التجارة الدولية. وحتى الولايات المتحدة، وهي الدولة الأقوى في العالم، فقد أذعنت على مضض حين تبين لها أن التعريفات التي تفرضها على الفولاذ على سبيل المثال تخالف القانون التجاري الدولي. ومن المفترض أن تتوصل أميركا إلى نفس الاكتشاف فيما يتصل بالإعانات الخاصة بإنتاج القطن، والتدابير الخاصة بالإغراق غير القانوني، والإعانات الضريبية المقدمة للمصدرين. والواقع أن وجود قاعدة قانونية، حتى ولو لم تكن عادلة، أفضل كثيراً من انعدام القواعد القانونية.

   ولكن بعد التوصل إلى هذه الغاية، باتت الدول النامية اليوم في حاجة إلى إلقاء نظرة فاحصة مدققة على التفاصيل المتعلقة بكل ما يعرض عليها. هل ستكون المنافع المتمثلة في تنامي القدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية- أعظم من التكاليف المترتبة على الوفاء بمطالب الدول الغنية؟ مـن المرجح أن تتوصل العديد مـن الدول النامية إلى استنتاج واحد: ألا وهو أن عدم وجود اتفاقية على الإطلاق أفضل كثيراً من التوصل إلى اتفاقية سيئة، وبصورة خاصة إذا ما كانت ظالمة مثل هذه الأخيرة.

جوزيف ئي. ستيجليتز أستاذ بجامعة كولومبيا، وحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2001. ولقد تُـرْجِم كتابه "العولمة وسخطها" الذي حقق أفضل أرقام التوزيع، إلى أكثر من ثلاثين لغة. ومن المنتظر أن يصدر كتابه الجديد بعنوان "تجارة عادلة من أجل الجميع: كيف تستطيع التجارة أن تعزز من التنمية"، الذي ألفه بالاشتراك مع أندرو تشارلتون، والذي تنشره مطبعة جامعة أكسفورد هذا الشهر.

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2005

التعليق