إبراهيم غرايبة

كي لا يكون دولة بين الأغنياء

تم نشره في الاثنين 26 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 صباحاً

   جاء تغيير ضريبة الدخل ليطال شرائح جديدة من الطبقة الوسطى أو لزيادة العبء الضريبي عليها مع التوسع في إعفاء الأغنياء والشركات الكبرى، في الوقت الذي يدفع فيه المواطنون ضريبة مبيعات بنسبة عالية.

وفي بلد يقوم اقتصاده أساسا على "العمل والخدمات" التي تؤديها الطبقة الوسطى الواسعة والمميزة من الأطباء والمهندسين والأساتذة والمحامين والصيادلة والصحافيين والحرفيين وأصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة والرائدة والتي يدور حولها ويقوم عليها حراك اقتصادي واجتماعي وثقافي واسع ومهم جدا. هي سياسة ذات أبعاد وتداعيات خطيرة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا أيضا، وتهز المجتمع وحالة التوازن فيه.

   المسألة ليست مجرد زيادة في جباية الضرائب من فئة وتخفيفها عن فئة أخرى. فالمجتمعات والدول وبخاصة في دولة ذات اقتصاد قائم على العمل والخدمات مثل الأردن تعتمد في توازنها وتماسكها وانضباطها على ازدهار الطبقة الوسطى وانسجامها مع أهداف واتجاهات المجتمع والدولة، فهي التي تضبط (يفترض) اتجاهات وبوصلة التنمية والسياسة والإصلاح، وهي أيضا الأكثر انضباطا مع هذه الخريطة والتي تنعكس على جميع فئات المجتمع وأنشطته وبرامجه.

   والسياسات الإصلاحية التي تأخذ طريقها إلى النجاح اليوم في أوروبا، ويبدو أنها ستنجح في الانتخابات الأميركية القادمة، تعتمد في التوزيع الضريبي والرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية وسياسات وبرامج الانتماء والمشاركة على إعادة إنتاج الطبقة الوسطى لتقود الإصلاح والإدارة والاقتصاد على نحو يتجاوز المسارين "المليئين بالعيوب" في تاريخ الدولة الحديثة: الدولة أو الأسواق.

   وقد ثبت بالفعل أن المشاركة بين المجتمعات والأسواق والحكومات، وإعادة تنظيم المجتمعات وفق المصالح والأولويات هو الذي يؤدي إلى الاستقرار والاعتدال ويحرك إيجابيا الاقتصاد والتنمية، ذلك أننا ندخل في مرحلة اقتصادية واجتماعية مختلفة تماما عن المراحل السابقة، وتكاد تكون منقطعة الصلة بها، تقوم على تنمية المهن والأعمال والمعارف والخبرات وصقلها باعتبار ذلك هو المورد الجديد المستمد من الخبرات والخدمات الفنية والإدارية والمعرفية التي يمكن بها الارتقاء بمستوى الاقتصاد الوطني وتصديرها أيضا للدول والمجتمعات التي تحتاجها أو تقديم مخرجاتها ونتائجها إليها. وفي الوقت نفسه فإنها تنشئ ثقافة وطنية جديدة أيضا قائمة على السلوك والأخلاق والتعاون والحريات والتهذيب باعتبارها أيضا موردا يسوق الخدمات والأعمال والمشروعات، وتطور تقاليد وثقافة تحقق أكثر من غيرها من السياسات والإجراءات العدل والأمن والاستقرار والرضا والاعتدال والإبداع والتنافس.

   والواقع أن الأردن بخاصة يحتاج أكثر من غيره من الدول والمجتمعات إلى هذا الطريق الجديد ليعوض أولا نقص الموارد المادية والريعية، وليستثمر الكفاءات المؤهلة والمدربة لديه في الاتجاه الذي يطور المشروعات القائمة على الخبرة المتقدمة، ولتصديرها للدول المجاورة والبعيدة أيضا، ولاستقدام طلب على هذه الموارد البشرية لتصدير مخرجاتها دون هجرتها إلى الخارج، بخاصة أن الشبكية المتاحة بتطور أنظمة الاتصال والمعلوماتية والنقل تتيح الفرصة لتداخلات واعتمادات اقتصادية ومهنية واستشارية هي بمثابة استثمار عالي المردود والأهمية.

   ثمة اعتقاد سائد وتقليدي بأن تشجيع الاستثمار بالإعفاءات الضريبية يجلب منافع اقتصادية متأتية من الأموال المتدفقة وتوظيف العمالة والكفاءة الوطنية. لكنه اعتقاد تدحضه التجربة والنتائج المرئية واليقينية، فالاستثمارات تشجعها بيئة اقتصادية واجتماعية عامة أكثر مما يشجعها تشريعات وتسهيلات معزولة. وقد ثبت بالفعل أن التسهيلات تستفيد منها على الأغلب أقلية وتنشئ استثمارات وهمية علاقات ومصالح قائمة على الفساد لأن الاستثمار ينشأ في بيئة من العمل والتنافس والمصالح المتشابكة والطبيعية.

   ولوحظ أن كثيرا من أصحاب الأموال قاموا بمغامرات قانونية ومخاطرات مالية لأجل تخطي عقبات الاستثمار القانونية والإدارية، وأن آخرين نقلوا أموالهم ومصالحهم من دول (تهتم) بتشجيع الاستثمار. 

   ما يجري لدينا اليوم هو إهدار لموارد مضمونة ونحتاجها لأجل المغامرة على موارد مشكوك في تحصيلها إن لم يكن يقينا أنها لن تتحقق بهذه الإعفاءات والتسهيلات.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق