الشباب الأردني بين المشاركة والرفض

تم نشره في السبت 24 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 صباحاً

نظمت مؤسسة فريدرش ناومان يوم الخميس المنصرم ندوة فكرية بعنوان "مشاركة الشباب في الحياة السياسية الأردنية"، بالتنسيق مع المجلس الأعلى لرعاية الشباب ووزارة التنمية السياسية. وقد حضر الندوة عدد كبير من الشباب من الجامعات والمؤسسات الثقافية والشبابية المختلفة، كما شارك فيها عدد من المسؤولين والأكاديميين والقيادات الحزبية.

وأكثر ما لفت انتباهي هو الحوار الممتع بين الشباب والمسؤولين، وبين الشباب أنفسهم. وأختلف كثيرا مع بعض المعقبين الذين رأوا أنّ ذلك إشارة إلى فقدان البوصلة لدى الشباب الأردني، وعدم قدرتهم على تحديد الاتجاهات المناسبة للسير. فعلى النقيض من ذلك، يمثل الحوار والاختلاف والتعددية في وجهات النظر دليلا واضحا على أن هناك جيلا من الشباب الأردني الصاعد الذي يحاول أن يفهم الواقع، رافضا منطق الوصاية الحزبية والرسمية على تكوين خياراته الفكرية والسياسية.

ليس بالضرورة أن يمتلك الشاب الإجابات عن الأسئلة المطروحة، أو أن يكون لديه فكر معلب جاهز للاستعمال، فذلك مقتل لروح الشباب المكتنزة بالأسئلة وعلامات الاستفهام، والبحث عن الطريق الصواب في الفكر والممارسة السياسية. وأحد الأخطاء الكبرى التي تقع فيها الأحزاب الأردنية أنها تقدم لأفرادها، خاصة جيل الشباب، إجابات أيديولوجية جاهزة لكل الأحداث والمتغيرات التي تمر بهم، بل وحتى للأسئلة الكبرى التي تواجههم في سني حياتهم، ولا تترك لهم فضيلة القراءة العميقة الاستدلالية، فضلا عن غياب قنوات الحوار الفكري والحقيقي في أروقة الأحزاب المختلفة. وأي شاب يتجاوز قراءة الحزب لما يجري، أو يتحدى رؤيته الفكرية والسياسية، يعامل بقسوة من قبل قيادة الحزب، ويعتبر متمردا، وينال نصيبه من التشويه والإقصاء، حفاظا على "روح السرب" وثقافته التي تميز التنظيمات الأردنية!

في المقابل، فإنّ المعضلة الحقيقية التي تواجه الشباب الأردني هي محدودية وضعف قنوات التعبير عن الذات والطاقات المختزنة في المجالات السياسية والثقافية العامة. فمازال عدد كبير من الشباب الأردني مصابا برهبة من المشاركة السياسية، ويشعر أنها "خط أحمر". وكثير من الآباء يصابون بالرعب إذا وجدوا لدى ابنائهم ميولا سياسية، أو سمعوهم يناقشون قضايا سياسية بصوت مرتفع مختلف عن السياسة الرسمية. فهذه الحالة الاجتماعية والثقافية العامة هي محدد خطير من محددات المشاركة الشبابية الفاعلة في الحياة العامة.

المشاركة السياسية والثقافية الحرة الفاعلة للشباب هي ضمان لمستقبلهم وحماية وصون له. إذ تسمح هذه المشاركة بتوظيف طاقات الشباب في اتجاهات إيجابية بناءة، وبترسيخ تقاليد العمل الثقافي والسياسي العام، ووضع أصول وقواعد لاحترام التعددية الفكرية والسياسية. ودون تدريب الشباب على هذه المشاركة والتعبير عن قدراتهم المختلفة، فإنّ الطريق الأخرى هي التوجه نحو الرفض والجماعات العدمية، التي هي على أتم الاستعداد، في ظل الظروف الحالية، لتجنيد الشباب واستقطابهم إلى محاضنها الفكرية والحركية.

وإن شئنا الدقة، فإن الصفة الأعمق للفكر المتطرف ليس "الفكر التكفيري" (فالتكفير جزء من هذه الظاهرة)، بل هو "الفكر الرافض"؛ فـ"الإرهابيون" أو المتطرفون هم  الشباب الذين يرفضون هذا الواقع بكل مضامينه، ويعملون على تغييره جذريا، لكن لعدم قناعتهم بأدوات التعبير السلمي، يلجؤون إلى الجماعات السرية وخيار العنف الأعمى. ووفقا لإحدى الدراسات التي عرضت في الندوة، فإن إحدى سمات الشباب المنخرطين في جماعات التطرف أنهم يميلون إلى الانطواء الاجتماعي والعزلة عن المؤسسات السياسية والثقافية العامة.

لكن في الوقت الذي يجب إتاحة الفرصة كاملة لجيل الشباب للتعبير سلميا وعلنيا عن أفكاره وخياراته، وبناء قنوات لهذا التعبير ولحوار معمق اجتماعي وسياسي داخلي، ورفض أي منطق للوصاية والحجر على تفكيره، فإنه لا بد -في موازاة ذلك- من حضور خطاب سياسي وثقافي راشد للشباب من قبل المثقفين والأكاديميين والسياسيين والعلماء، من خلال الإعلام والندوات والحوارات لتوفير التجارب والخبرات السابقة أمام جيل الشباب لتكون مرشدا وموجها لهم يفيدون منها وهم يخطون معالم طريقهم ويبنون خياراتهم السياسية والفكرية.

وفي الحديث عن مشاركة الشباب السياسية، لا بد من إعادة النظر ومراجعة  قوانين الانتخاب الطلابية المعمول بها في الجامعات الأردنية، والتي أدخلت الإدارات الجامعية مبدأ التعيين عليها. فالتعيين هو مصادرة لحق الشباب الجامعي في الممارسة الحرة والمشاركة الفاعلة وفي تقرير خياراته الذاتية. ومن الواضح أن هناك حالة من النكوص في الاتجاهات السياسية والفكرية ودور الشباب الجامعي منذ بدء العمل بهذه القوانين. فلم تبدأ المشاجرات العشائرية والتعبيرات الأولية تغزو الجامعات الأردنية إلا عندما اختفت الحوارات السياسية والفكرية، وتحولت الساحة الطلابية إلى تنافس بين المناطق والعشائر المختلفة، وهي حالة خطيرة، وتعبير عن وجه مناقض تماما لمقاصد المشاركة الطلابية، بل والحياة الجامعية بأسرها وأهدافها في تعزيز روح المواطنة والمسؤولية المدنية والأخلاقية لدى طلاب الجامعات.

صحيح أن التيار الإسلامي هو التيار المسيطر في الجامعات الأردنية، وأن له أجندته السياسية المختلفة مع السياسات الرسمية، لكن لا بديل -إذا أردنا بالفعل أن يتمرس شباب الجامعات الأردنية ويتدربوا على تحمل المسؤولية والتعبير السلمي عن أنفسهم- عن السماح بالانتخابات الطلابية الحرة، حتى لو أدت إلى العودة إلى التيار الإسلامي، فهذه خطوة أولى لا بد منها للوصول إلى تعددية حقيقية، وإلا سنبقى محبوسين تحت رحمة "البعبع الإسلامي"! وسيبقى هذا الاتجاه، سواء بشقه المعلن أو الراديكالي، مُغريا لكثير من الشباب المتحمس عاطفيا والمنفعل بحكم الواقع السياسي العام وأزماته.

في المحصلة، لا بد من فتح القنوات مشرعة للشباب الأردني للتعبير عن طاقاتهم وإمكاناتهم وتوجهاتهم، من خلال الجامعات والأندية الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني، وتفعيل المراكز الشبابية والمنتديات والحوارات الثقافية، وتطوير فكرة البرلمانات الشبابية، وتنويع القنوات والأدوات التي تستوعب جدل الشباب وتصهر حيرته الفكرية والسياسية في بوتقة صحيحة، وإلا فإن طاقات الشباب وقدراتهم ستظهر في اتجاهات أخرى، لمسنا بعضا منها في العمليات العدمية في عمان، ولمس أهل كثير من الشباب مرارتها من خلال مصير أبنائهم الذين التقطتهم جماعات العنف العدمية وأصابتهم جرثومة التطرف، ويكفي رصد عدد هذه التنظيمات والجماعات منذ عقد  في الأردن كي نعلم كارثة مئات الأسر الأردنية التي تورط أبناؤها في هذه الجماعات. وفي هذا السياق، لا بد أن تقوم القراءة الصحيحة لبناء الاستراتيجية الأمنية المطلوبة.

[email protected]

التعليق