فوز نتنياهو في الليكود يعزز مكانة شارون

تم نشره في الأربعاء 21 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

   عكس انتخاب رئيس الحكومة الاسرائيلية الأسبق، بنيامين نتنياهو، لرئاسة حزب الليكود المتهاوي، مساء الاثنين، ارتياحا لدى قادة حزبي "كديما" بزعامة اريئيل شارون، و"العمل" بزعامة عمير بيرتس، لكن كل واحد منهما له وجهته الخاصة، بعد ان أظهرت استطلاعات رأي في الاسبوعين الماضيين وكأن المعركة لم تحسم بعد في الحزب، وان وزير الخارجية سلفان شالوم قد ينجح في تحقيق انقلاب على نتنياهو ويفوز بزعامة الليكود، وهذا ما تخوف منه شارون وبيرتس.

   وكان هذا التخوف نظرا لمواقف شالوم المتقاربة من شارون، فقد أيد خطة اخلاء المستوطنات، ولم يعترض على سياسة شارون، ولهذا فقد تخوّف الأخير من ان انتخاب شالوم قد يعيد لحزب الليكود اصوات الوسط الذين هجروا الليكود ونزحوا الى "كديما".

   أما عمير بيرتس، فقد تخوّف من ان انتخاب اليهودي الشرقي سلفان شالوم، من اصل تونسي، سيكون عقبة امامه في التوسع بين اليهود الشرقيين، فبيرتس ولد في المغرب العربي، ويطمح لجرف اصوات من اليهود الشرقيين، رغم ميول غالبيتهم لليمين الاسرائيلي، ولكن العامل الطائفي يلعب دورا في الانتخابات البرلمانية وغيرها.

   ويعتقد قادة "كديما" و"العمل" ان انتخاب نتنياهو سيسهل عليهم المعركة الانتخابية، أو على الأقل سيثبتها بالشكل الذي تظهر فيه من خلال استطلاعات الرأي، التي تظهر من يوم الى آخر، والتي تشير الى ان حزب الليكود انهار الى حضيض، يعيد الليكود الى وضعيته حزبه الأصلي، "حيروت" في سنوات الخمسين، بحصوله على 11 الى 13 مقعدا، بعد ان كان الحزب الأكبر في اسرائيل بحصوله في الانتخابات البرلمانية السابقة، التي جرت في العام 2003، على 38 مقعدا، والحزب الذي يليه، "العمل" حصل في حينه على 19 مقعدا، من أصل 120 مقعدا في البرلمان.

   لا يمكن الاعتماد كليا على استطلاعات الرأي الصادرة بشكل متسارع في اسرائيل، فلا يزال للانتخابات البرلمانية الاسرائيلية 97 يوما، وهذه فترة كبيرة جدا، قد نشهد فيها عدة تقلبات سياسية وحزبية، ومفاجآت غير متوقعة، على شاكلة الجلطة الدماغية التي اصيب بها شارون في مطلع الاسبوع، او تدهور الاوضاع الأمنية والعسكرية، وما الى ذلك. لكن من جهة أخرى فإن الاقبال على صناديق الاقتراع في الليكود عكس حجم الأزمة التي يعاني منها الحزب، وعلى ما يبدو فإن هناك اساسا معينا لما تشير اليه استطلاعات الرأي في هذه الايام.

   ففي العام 2003 كان في حزب الليكود 250 الف عضو، وانهار هذا العدد في الفترة الحالية الى 128 ألف عضو، ولكن 40% منهم فقط توجهوا الى صناديق الاقتراع ومارسوا حقهم في انتخاب رئيس جديد للحزب خلفا لشارون المستقيل، ويعتقد المراقبون ان عشرات آلاف الاعضاء امتنعوا عن التصويت بعد ان نزعوا ثقتهم بالحزب وانتقلوا لتأييد "كديما" أو "العمل".

   هذه ليست المرّة الأولى التي يصل فيها نتنياهو الى زعامة الحزب. فقد كان هذا في العام 1993، بعد هزيمة الليكود في انتخابات العام 1992 بزعامة يتسحاق شمير، ونجح نتنياهو في تحقيق فوز على منافسه شمعون بيرس برئاسة الحكومة في الانتخابات البرلمانية التي جرت في العام 1996 بفارق بضعة آلاف. لكن قيادة نتنياهو للحكومة ونهجه في قيادة الحزب، أضعف الليكود كثيرا وأفقده الحكم في العام 1999، لصالح حزب "العمل" بزعامة أيهود براك.

   إن الانطباع السائد في الحلبة السياسية ان نتنياهو ينجح في الوصول الى القيادة فقط حين تكون متهاوية تبحث عن "منقذ"، أو انه يتنقل في المواقف السياسية حسب تفسيراته لموازين القوى. فعلى الرغم من انه أيّد خطة اخلاء مستوطنات قطاع غزة، في ستة اقتراعات في حكومة اريئيل شارون التي كان وزيرا فيها وفي الكنيست، إلا انه مع اقتراب موعد تنفيذ الخطة، واستدراكه بأن موقفه هذا لن يسمح له بالتغلب على شارون في المنافسة على زعامة الحزب، سارع الى الموقف النقيض طمعا في جذب تيار اليمين المتطرف في الحزب اليه، وهذا نموذج أخير وحي لنهج نتنياهو الانتهازي على مدى 17 عاما في عمله السياسي البرلماني.

وإن حقق نتنياهو الآن هدفه فإنه حققه بثمن انهيار الحزب الذي سعى لتزعمه، فنتنياهو لا يسعى الى قيادة حزب في المركز الثالث، وحتى وإن ازدادت قوته حتى يوم الانتخابات فإنه لن يكون الحزب الأول، حسب المشهد السياسي القائم.

   الصورة السياسية العامة التي تظهر امامنا اليوم مع انتخاب نتنياهو هي كأننا متجهون نحو انتخابات بين ثلاثة أقطاب ولكن في الواقع هناك قطبين متشابهين كالتوأم السياسي بفارق عرض المضمون، ففي نظرة معمقة الى المواقف السياسية لشارون ونتنياهو نجد في المحصلة النهائية ان لا فرق بين الاثنين، لا بل ان النتيجة النهائية التي يسعى لها شارون في القضية الفلسطينية قد تكون اكثر صهيونية بالمقارنة مع ما يستطيع نتنياهو تحقيقه نظريا، امام الفلسطينيين.

   فشارون يتحرك "بحنكة" لاسكات اقطاب الأسرة الدولية، كما جرى في خطة اخلاء مستوطنات قطاع غزة، اما اليمين الآخر، الذي اختار له الآن نتنياهو زعيما، فهو مستعد لما يعرضه شارون كحل نهائي من وجهة نظر شارونية، ولكن عرضه للأمور اكثر تطرفا، ناهيك عن ان شارون بحاجة لهذا التطرف "المقابل"، ليظهر مجددا امام العالم وكأنه يتحرك "رغم الصعوبات ولهذا لا يستطيع تحقيق كل شيء، وعلى العالم ان يتفهم، وإلا...".

   أما القطب الثالث، المتمثل بحزب "العمل" وزعيمه عمير بيرتس، فهو مختلف نوعا ما، من باب المقارنة على شاكلة "الأسهل بين شرّين"، ولا نستطيع الاستهانة بالفروقات السياسية بين الجهتين، رغم ان ما يطرحه بيرتس في نهاية الأمر لن يحقق طموح الشعب الفلسطيني، ولكنه يحقق جزءا اكبر، نوعا ما، من الطموح، مقارنة مع مواقف الاثنين الآخرين.

   إن انتخاب نتنياهو بدأ يثبت أكثر الخارطة الحزبية لدى الأحزاب الكبيرة في الانتخابات المقبلة، وستتجه الأنظار منذ الآن الى التركيبة الداخلية لكل قائمة من هذه القوائم، التي لن تؤثر كثيرا على استطلاعات الرأي، الى جانب الاصطفافات في الأحزاب الأقل قوة، فالوحدة بين كتل أي معسكر ستؤثر هي الآخرى على النتائج النهائية للانتخابات.

صحافي فلسطيني وكاتب سياسي مقيم في الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق