دور وزارة الأوقاف

تم نشره في الأحد 18 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

حين فُتح ملف الفكر المتطرف ونقيضه المعتدل كانت وزارة الأوقاف احد العناوين المهمة في بناء اي مسار ايجابي، لكن الوزارة تعاني من مشكلة كبيرة وبأكثر من اتجاه.

الاتجاه الاول انها تعمل "وبين عينيها" تخفيف حضور الإسلاميين في مؤسسات الوزارة، وأهمها المسجد ميدان الخطابة والتدريس، لهذا فهي تعاني من رعب لا يلاحظ الا من عرف معادلة العلاقة بين الأوقاف كأدة من ادوات العلاقة بين الحكومات والإسلاميين.

الاتجاه الثاني انها زاهدة في احتواء مستويات متقدمة من الوعي والثقافة والاهتمام بالشأن العام في كادرها الوعظي، لهذا فهي تفضّل الإمام او الخطيب الذي لا يجلب (وجع الرأس) والذي ينشغل بالقضايا الفقهية البسيطة او مناقشة غزوة بدر على المنبر, بينما الساحة مكتظة ومشتعلة بغزوات اخرى. ما نقوله لا يعني غياب القدرات العلمية والتأهيل عن نسبة من كادر الوزارة, لكن هذه الكفاءة لا يُستفاد منها.

ومع مرور السنوات اصبح الحديث في الشأن العام رديفاً للقوى المعارضة ذات الطابع الإسلامي، وحصدوا من وراء هذا شعبية ونفوذا او مقاعد في البرلمان والبلديات. لكن رجال الأوقاف - في أغلبهم- فقدوا القدرة على التأثير, وحتى عندما تحتاجهم الحكومات لقضايا تنظيم الأسرة؛ إذ لا تلمس لهم تأثيراً.

ورغم الإجراءات والتشريعات فإن ما تم تحقيقه من خفض لحضور الخطباء السياسيين في المساجد كان على حساب خطبة الجمعة وتأثيرها ودورها، رغم انها من اهم وسائل التأثير. فالناس تأتي بإرادتها وتعتقد ان استماعها للخطبة عبادة وفريضة، ولا تمارس نقاشاً واعتراضاً. بل تصمت وتنصت، لكن الإدارة المرعوبة لهذا المنبر افقدته الكثير من دوره.

احدى مشاكل الوزارة هي قلة الامكانات؛ فهنالك حوالي "200" مسجد في المملكة دون امام اي دون قائد وموجه. والسبب ان جدول التشكيلات لا يسمح بالتعيين. فإمام المسجد نطرياً هو حاكم اجتماعي للحي, فهو المرجع الشرعي ان كان واعياً مثقفاً قادراً على بناء العلاقات، فهو ليس فقط موظفا يؤدي الصلاة ويعود الى بيته. ولعل الواجب الأهم للوزارة ان تعيد تقييم واقع الأئمة والخطباء باتجاه توفير مردود مالي متميز يجذب الشباب لهذه الوظيفة كذلك حسن الاختيار لمن يتولى هذه المسؤولية الخطيرة.

وهناك ما يسمى بصندوق الدعوة الذي يعيّن على حسابه خطباء وأئمة براتب متواضع وصل بعد التحسينات الى "100" دينار وما زال بعضهم من حملة الشهادات غير الشرعية يتقاضون "50" ديناراً. فهل من المعقول ان يطلب من خطيب او امام ان يحمل العبء الكبير مقابل مكافأة تصل الى "100" دينار في حدها الاقصى؟!

في المقابل، لدينا كليات شريعة في أغلب الجامعات الرسمية والخاصة، اضافة الى كلية الدعوة وأصول الدين التابعة لجامعة البلقاء التطبيقية. وهذا يعني وجود قاعدة واسعة للاختيار، لكن على الوزارة ان تمارس اهتماماً حقيقياً مالياً ومعنوياً بالأئمة والخطباء او المؤذنين، وأن تتحول هذه الوظيفة الى مصدر جذب للشباب لا وظيفة من لا يجد غيرها.

إنّ إعادة الاعتبار لمؤسسة المسجد مهمة كبيرة وصعبة، واستعادة خطبة الجمعة لدورها وتأثيرها عملية تحتاج الى جهد كبير. فالمصداقية وقوة الحضور لا تأتي عندما تريد الحكومة من الخطيب ان يكون كذلك, وإنما نتيجة مسيرته وقدراته وقناعة الناس به.

وزارة الأوقاف معقل للثقافة وبناء القناعات وزراعة ارضية للفكر المعتدل والخلق السوي, لكن ليس بالشروط والواقع الحالي للوزارة, ومن يبحث عن استراتيجية تجذر حالة من الاعتدال والفكر المستنير، فالبداية تكون من الأوقاف وربما النهاية ايضاً.

sameeh.almaiteh@alghad.jo

التعليق