منار الرشواني

حقوق الإنسان: عالمية المفهوم ووطنية التطبيق

تم نشره في الاثنين 12 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 صباحاً

برغم كل ضجيج الحديث عن الإصلاح السياسي في الوطن العربي، مر يوم العاشر من كانون الأول، أو يوم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كأي يوم آخر في حياتنا، مثقفين وكتابا ومواطنين عاديين، فهل كان السبب أننا منشغلون بالقضية الأكبر والأشمل، وهو الإصلاح المأمول الذي لا تعدو أن تكون قضية احترام حقوق الإنسان مكونا من مكوناته أو ركنا من أركانه؟ إذا كان هذا هو السبب فعلا، فقد ضللنا الطريق تماما!

إن كان الإصلاح الذي ننشده هو مرادف للديمقراطية بمفهومها الغربي الناجز، فعلينا أن نستذكر ونتعلم من التجربة الغربية ذاتها أن إقرار حقوق الإنسان واحترامها وصيانتها كانت أسبق، ولربما المدخل إلى النموذج الديمقراطي الغربي، وأن هذه الحقوق ذاتها كانت الدافع والمحرك وراء أنسنة الديمقراطية، في مرحلة لاحقة، ونقلها من مرحلة كونها أداة للصراع على المصالح والنفوذ بين الطبقات العليا، الارستقراطية والبرجوازية، إلى مرحلة الديمقراطية العامة التي تشمل الجماهير كافة. والواقع أن العلاقة بين الديمقراطية والإصلاح السياسي وبين حقوق الإنسان ليست قضية نماذج وتجارب موجودة نقبلها أو نرفضها، إذ إن نظرة على مؤشرات الديمقراطية – من مشاركة سياسة، وتعددية سياسية وصولا إلى الحكم الرشيد ومحاربة الفساد- تظهر بما لا يدع مجالا للشك أن كل تلك المؤشرات هي مجرد وسائل لتحقيق الغاية المقصودة والمتمثلة في احترام حقوق الإنسان.

ربما كان كل ذلك مبررا كافيا لتوقعنا –المخطئ- أن تكون الذكرى السابعة والخمسون لإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يوما استثنائيا في عالمنا العربي، لكن الحقيقة أن مبررات هكذا أمل وتوقع هي أكثر من ذلك وأعقد.

ففي زمن الصراع بين الشيوعية والرأسمالية، وزمن الاتجار بالخصوصية الثقافية، كان الخصم الوحيد لحقوق الإنسان والمدافعين عنها في العالم العربي هو الحكومات التسلطية، بالطبع مع عدم إغفال الدعم الخارجي الحاسم، إنما غير المباشر غالبا لتلك الحكومات. لكن المفارقة أنه بانتهاء التاريخ عند قيم الديمقراطية والحرية، غدا خصوم حقوق الإنسان العربي، وبالتالي جبهات المدافعين عنها، خصوما متضامنين وجبهات متعددة! فإضافة إلى غالبية الحكومات، أصبحت الولايات المتحدة الأميركية حاضرة بشكل مباشر على صعيد انتهاك حقوق الإنسان العربي، اختطافا وتعذيبا وقتلا! أما الخصم الثالث أو الجبهة الثالثة فكانت ببروز نوع جديد من المرتزقة أو "الشركات العسكرية الخاصة" التي تعمل وفق "متطلبات السوق"، لتتنوع وتتوزع هذه الشركات على كل المهمات المطلوبة، من المهمات النظيفة (الاستخباراتية) إلى المهمات القذرة التي تتضمن القتل والتعذيب والتدمير.

لكن كل ما سبق هي أعراض ونتائج لأسباب، ليبقى السؤال: في زمن عالمية حقوق الإنسان، لماذا مازلنا -كما كنا على امتداد عقود مضت- استثناء على هذا الصعيد، بحيث نقدم في ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان كنموذج أهم، ولربما أوحد، على انتهاكات هذه الحقوق الإنسان، لاسيما فيما يتعلق باستخدام التعذيب؟

ثمة تمييز دقيق لا نتوقف عنده كثيرا رغم أنه حجر الاساس في الإجابة عن هذا السؤال، وهو أن عالمية المفهوم – وكما تؤكد الممارسة- لا تعني بالضرورة عالمية التطبيق، إذ إننا نعيش وسنظل نعيش أبدا في عالم السياسة والمصالح والصراع وليس في عالم القانون العادل، بغض النظر عن كل ما يقال خلاف ذلك. ومن ثم، فإن الالتحاق بركب عالمية حقوق الإنسان لا بد وأن يبدأ من جهد وطني وبثقافة وطنية تنمو في البلدان العربية والعكس صحيح؛ أي طالما ارتضينا انتهاكات حقوق الإنسان في بلداننا، ايا كانت الذرائع، فإن علينا أن نتوقع انتهاكات مماثلة وربما أسوأ في غوانتنامو وأبو غريب وباغرام وغيرها، ودائما بذريعة الحرية التي تليق بنا من وجهة النظر الأميركية!

وطالما أننا نتحدث عن جهد وثقافة وطنيتين لنشر وتعزيز حقوق الإنسان في الوطن العربي، فمن حقنا التساؤل هنا عن حصيلة ما قدمته منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية العربية على هذا الصعيد؟ الإجابة واضحة، طالما أن صراع الغالبية العظمى من هذه المنظمات -لتبقى قلة قليلة جدا- هو من أجل أموال حقوق الإنسان وليس من أجل حقوق الإنسان ذاتها، بحيث يبدو الأمر شبيها بالتجارة المربحة إنما بآلام ومعاناة الشعوب!

التعليق