محمد أبو رمان

التجربة العراقية ومشروع الإصلاح العربي

تم نشره في الاثنين 12 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

"قد تثبت الانتخابات العراقية أنها نقطة تحول في تاريخ الشرق الأوسط، لا تقل أهمية عن وصول الجنرال بونابرت والثورة الفرنسية إلى مصر قبل أكثر من قرنين".

النص السابق من مقال للمستشرق المعروف برنارد لويس – أحد الأباء الروحيين للمحافظين الجدد- (نشر في مجلة الشؤون الدولية حزيران 2005). لكن هذا المنظور المتفائل بما يجري في العراق أبعد ما يكون عن التحقق على أرض الواقع، وهو ما يدركه المحافظون الجدد قبل غيرهم. فالعراق لم يتحول إلى ساحة للفوضى والعنف وانتشار التيارات العدمية والحروب الأهلية والقذرة فحسب. بل أصبح نموذجا مرعبا ومثالا بارزا للعيان لكل الشعوب العربية يضعها أمام ثنائية تاريخية سيئة؛ إما الاستبداد والفساد والحالة السياسية القائمة وإما الفوضى والدمار والعنف، وعندئذ سيكون الخيار الأول أفضل وأرحم على ما فيه من سوأت!.

السوريون هم أكثر الشعوب العربية اهتماما بالدرس العراقي، ونتائجه المخيبة، وهو ما قلص طموح المعارضة هناك بالتغيير والإصلاح، وقلل من حضورها واثارها في الشارع. وهو ما يمكن أن نلمسه بوضوح في مقال المعارض السوري المعروف أكرم البني متحدثا عن التجربة العراقية: "تلك التجربة التي تحتل اليوم عند المواطن السوري ومن دون مبالغة، مساحة الرؤية كاملة، ويرعبه جدياً تكرار سيناريو مشابه لما جرى في العراق".

ويعلق رضوان زيادة - وهو كاتب ومفكر سوري معارض- "بأن التجربة العراقية ولدت شعورا لدى الشعوب العربية أن الولايات المتحدة لا تأتي إلا بالكوارث لهذه المنطقة"، بعد فترة مثّلت فيها الضغوط الخارجية الأميركية على النظم العربية محفزا كبيرا لحركات المعارضة والإصلاح العربي ومتنفسا لدى الكتاب والمثقفين للتجرؤ على نقد السلطات والمطالبة بالإصلاح. في مقابل ذلك أدى الاحتلال الأميركي وما نتج عنه إلى انفصال كبير وقطع لأي مبادرات حوار بين القوى المعارضة العربية الرئيسية وبين الأميركيين، وهو ما دفع بدوره المعارضة إلى الوراء خطوات نتيجة تراجع الضغط الخارجي الأميركي. هذا باستثناء بعض المجموعات الصغيرة المنتشرة هنا وهناك باسم منظمات المجتمع المدني، وتتلقى التمويل من الأميركيين والأوروبيين بدعوى الإصلاح، إلا أن حضورها الاجتماعي محدود ولا يخرج عن قاعة المؤتمر الذي تعقد فيه ورشاتها وندواتها.

تداعيات التجربة العراقية ظهرت على الطبقة السياسية والثقافية الأميركية، التي شهدت انتصارا وغلبة في الفترة السابقة لدعاة التغيير والإصلاح في العالم العربي، وصدرت فيها عشرات المقالات والدراسات التي تهاجم النظم والحكومات العربية "الاتوقراطية" وحلفاء أميركا القدامى وتدعو إلى ما يسمى بالفوضى الخلاقة، وإلى تغييرات بنيوية في الشرق الأوسط. فهذه الأصوات تراجعت بعد التجربة العراقية إلى الوراء وعادت المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية لتسود في مراكز القرار في واشنطن ولتطغى لغة المصالح مرة أخرى تجاه الشرق الأوسط. وبدا واضحا أن هناك حالة من التراجع عن المشروع الأميركي للتغيير والإصلاح لحساب صفقات سياسية مع النظم الحالية تقوم على إصلاحات ليبرالية محدودة وحماية المصالح الأميركية في المقابل، والتحالف فيما يسمى الحرب على الإرهاب.

على الجانب الآخر من التجربة العراقية، تبدو أسئلة الداخل العربي ملحة وخطيرة، فالفشل في التجربة العراقية ذو شقين الاول أميركي والثاني داخلي. وهنا يكمن السؤال المطروح ليس فقط على الصعيد العراقي بل على الصعيد العربي: لماذا لم يستثمر العراقيون انهيار النظام السابق لبناء نموذج سياسي عربي ديمقراطي مدني؟

بالتأكيد هناك مسؤولية كبيرة لميراث الحقبة الصدامية إذ همشت وشوهت البنى الاجتماعية العراقية، وأضعفت المؤسسات السياسية والمدنية وفرغتها من محتواها. فعندما انهارت الدولة لم يكن المجتمع مؤهلا لمرحلة سياسية متقدمة فعاد إلى الوراء. لكن ماذا بعد؟! هل هذه المحصلة التي يجب أن نسلِّم لها، أم أن علينا التساؤل عن استراتيجية حقيقية لبناء عراق جديد؟ ماذا يمكن أن يتعلم العراقيون من درسهم وماذا يمكن أن تتعلم الشعوب العربية كذلك؟

وإذا كان هناك من يصر على خصوصية التجربة العراقية، فهو مخطئ، ففي لبنان انتكست "ثورة الأرز" وطغت الحسابات الطائفية والعرقية والمذهبية. وفي مصر انتهت الانتخابات البرلمانية إلى صدام سياسي كبير - جزء منه معلن والجزء الآخر ما زال في الجلسات الخاصة- بين جماعة الأخوان وحركات المعارضة الأخرى. أما في سورية فيخبرنا أصدقاؤنا في المعارضة أن الوضع ليس أفضل حالا من التجربة العراقية، بل هناك توجه لدى العديد من أطياف المعارضة السورية لما يسمى بسيناريو "التدويل" والمرحلة  الانتقالية أو البديل الأوروبي تجنبا للسيناريو الأميركي في العراق!

إذن كيف تتجاوز المعارضة العربية عقدة العراق، وكيف تحفّز الشعوب على المضي قدما في طريق الإصلاح؟

في تقديري، الأمر مرتبط بوجود حالة من الإجماع أو شبه الإجماع الوطني (شعبي ونخبوي) على تشكيل البديل السياسي وصوغ برنامجه ورؤيته المستقبلية، أو تنمية "الجماعة الوطنية" كإطار حاضن لمختلف القوى والاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية. والعبرة هنا بدور هذه الجماعة ومدى متانتها ومرونتها. بحيث تكون جسر العبور من المرحلة الحالية إلى المرحلة القادمة؛ وهو ما يرتبط بقدرة الجماعة الوطنية على احتواء الاتجاهات الفكرية والسياسية المختلفة وبناء إطار تعددي ديمقراطي مدني حقيقي والاتفاق على المرحلة القادمة.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق