عدالة نظرية

تم نشره في الاثنين 12 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

لو تجاوزنا أن ما يجري من محاكمة صدام حسين ومن معه امر سياسي وثأري وليس جنائيا، واعتبرنا ان هذه المحاكمة -كما يصورها البعض- تجسيد للديمقراطية والعدالة، فإن العدالة النظرية او الافتراضية تقتضي ان يكون الى جانب قاعة محاكمة صدام قاعات أخرى للمحكمة حتى تكتمل صورة العدالة والديمقراطية.

فالمتحمسون لمحاكمة صدام يقولون انه وراء مجزرة، او عمليات تعذيب وقتل في قرية الدجيل في العام 1982، بعد تعرضه لمحاولة اغتيال، وسنسلم لهذا الحماس. سنصدر حكماً مسبقاً ونجرّم صدام ومن معه بدماء 148 شخصاً يقول حزب الدعوة انهم ضحية قمع النظام السابق. لكن من يحمل دماء اكثر من 150 ألف عراقي قتلوا بعد الاحتلال؟! ومن يتحمل اثم ووزر دماء المئات من القتلى والجرحى نتيجة الاجتياح والعدوان على المدن العراقية بحجة اعادة الأمن لها؟! وما الفرق بين مبررات اجتياح هذه المدن وقتل وتشريد اهلها واعتبارهم خارجين عن القانون، وبين قيام النظام السابق باعتقالات وتعذيب بين اهالي الدجيل عقاباً لهم على محاولة اغتيال رئيس الجمهورية انذاك؟!

العدالة مثل منظومة الاخلاق، كُلٌّ لا يتجزأ. فإعطاء الشرعية للاحتلال هو هدر لسيادة دولة وقتلها، ورهن لشعبها تحت قمع الطائرات والدبابات المحتلة، وهي في درجة متقدمة من العنف والارهاب تفوق مزاعم وتعذيب عشرات الاشخاص. فالقانون سلطة لانه يخلو من كل المؤثرات والظواهر السلبية، لكن عندما يتحول الى اداة للسياسة او الطائفية او المصلحة فإنه يصبح امراً لا يختلف عن قوة القتل والقمع والارهاب.

واذا كان النظام السابق يحاكم عبر شهود يحملون رموزاً ويختبئون خلف جدار، وهم في حماية سلطة واحتلال، فهذا دليل على ضعف كل هذه السلطات! كما ان الاحتلال يحاكَم كل يوم ليس عبر شهود من الاشباح، بل عبر ممارسات وقمع وتعذيب واجتياح مدن، وقبل هذا وبعده فشل في تأمين الأمن والماء والكهرباء للناس، الا اذا كان وجود صناديق اقتراع هو معيار الديمقراطية، وإن صاحب هذه الصناديق سجون وتعذيب وقمع واحتلال.

ان استمرار وجود منطقة خضراء تختبئ فيها قيادة الاحتلال دليل على ان العراق يعيش حالة غير شرعية، فالخوف يسجن هذه السلطات، تماماً مثلما يُعتقل رموز النظام السابق.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق