القمة الإسلامية التي لم تأت بجديد

تم نشره في السبت 10 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 صباحاً

النتائج التي انتهى إليها مؤتمر القمة الاسلامي الذي عقد في مكة المكرمة لم تأت بجديد؛ فعبارات مثل "التأكيد على محاربة التطرف والغلو واعتماد الوسطية والاعتدال"، و"نشر قيم التسامح"، و"تفعيل دور منظمة المؤتمر الإسلامي في التصدي لقضايا التنمية في الدول الاسلامية"، و"اشاعة صورة مشرقة للإسلام والمسلمين في العالم"، وغيرها من العبارات التي تكرر ذكرها في البيان الختامي، لا تعني الكثير، ولا تشكل اية ضمانة لإحداث التغيير المطلوب، كما لا تدلل على اي مقدار من الجدية في مواجهة ما يتعرض له الاسلام ويتعرض له المسلمون من حملات حقيقية تصمهم بالارهاب والعنف!

صحيح ان بيان القمة الختامي، وكما هو متوقع، أدان الارهاب "بكل اشكاله وصوره، ورفض اي مسوغ له"، إلا أن المطلوب ايضا هو اكثر من مجرد الإدانة والرفض.

ما ورد في البيان لم يتعد -مع الاسف- صيغ التعبير عن النوايا الحسنة، والمطلوب هو اكثر من ذلك. فحال القمة الاسلامية على ما يبدو ليس افضل من حال القمم العربية التي تشكل حصيلتها، على التوالي وعلى مدى السنين، الحد الادنى المطلوب لحفظ ماء الوجه، ولستر العجز ورفع العتب، وليس للانتقال من حال الدفاع اليائس عن اوضاع اصبحت دون ادنى التوقعات والقدرات، الى حال المبادرة والتشخيص الجريء الهادف لكل امراضنا ومواطن عجزنا، والانطلاق من خلال ذلك إلى وضع آليات المعالجة المستحقة والمتأخرة منذ عدة عقود.

ليس سرا ان هناك قوى شريرة في هذا العالم، وهناك قوى معادية تستهدف -بالتخطيط والمال- تشويه صورة الاسلام والمسلمين، لكن في المقابل ثمة ممارسات يرتكبها البعض منا، وقد اخذت تستفحل في الآونة الاخيرة، من شأنها ان تسهل مهمة كل من يستهدف هذه الامة.

ورد في البيان الختامي للقمة الاسلامية: "ضرورة التمييز بين الارهاب ومشروعية مقاومة الاحتلال الاجنبي التي لا تستبيح دماء الابرياء"، وهذه العبارة التي تتكرر باستمرار في مثل هذه البيانات، ولغايات رفع العتب ايضا، لم تراع ان المشكلة الحقيقية تتمثل في ان للمقاومة شروطها ومتطلباتها ومواصفاتها. وفي غياب الوضوح، يظل شعار المقاومة الفضفاض عباءة كبيرة تختبئ تحتها مثل تلك الاعمال والجرائم الدموية الرهيبة التي ترتكب في مواقع، وضد اهداف وابرياء لا علاقة لهم لا بالاحتلال ولا بالاعتداء على حقوق احد.

ما معنى ان يفجر انتحاري نفسه في حافلة ركاب تقل عراقيين ابرياء يوم الخميس الفائت، فيقتل منهم العشرات ويجرح اكثر من ذلك؟! وما معنى ان يلف انتحاريون انفسهم بأحزمة المتفجرات، ويتوجهوا بالسيارات من العراق الى الاردن ليفجروا انفسم بدم بارد في فنادق عمان في وسط احتفال عائلي بعرس، أو بين ابرياء يجلسون في ردهات تلك الفنادق وهم ابعد ما يكونون عن توقع خطر الموت، لانهم لم يعتدوا على احد ولم ينتهكوا حقوق احد؟! وما معنى ان تستهدف"المقاومة" في العراق دور العبادة والمساجد ومجالس العزاء والاسواق الشعبية والاماكن العامة، لقتل العراقيين الأبرياء واستباحة دمهم دون غيرهم؟!

ان ما نشهده هذه الايام من مثل هذه الجرائم الفظيعة يستوجب ما يفوق بكثير عبارات الرفض والتنديد والادانة؛ فالمطلوب هو تشخيص ظاهرة التغرير بالرجال والنساء وتوجيههم الى الشر، والمطلوب هو تحليل المؤثرات التي تقنع انسانا عاديا بأن يقدم حياته من اجل قتل آخرين لا علاقة له بهم، ولا قضية له معهم.

لقد تشابكت وتداخلت بالفعل عوامل ومؤثرات كثيرة، بحيث لا يكون من الصواب ان تعالج ظاهرة استفحال العنف والارهاب بمعزل عن القضايا السياسية المزمنة التي شلت تقدم الحياة وتطورها في منطقتنا لعقود متتالية. ولا يمكن عزل ظاهرة تفشي العنف والارهاب بهذا المقدار المخيف في العراق عن الحرب وعواقبها وممارساتها الخاطئة، من اولها الى النهاية التي لا نزال نجهل طبيعتها. فمن الطبيعي ان يؤدي تفاقم المشاكل، واستفحال اليأس، وفقدان الامل، وغياب الاجواء الطبيعية من حياة الناس، من الطبيعي ان يؤدي كل ذلك الى الاضطراب الاجتماعي، الفردي والجماعي.

لكن ما هو غير طبيعي ان يترك المجال مستباحا للفكر التكفيري، وللتطرف الاعمى، وللعقائد المبتدعة والبعيدة عن كل فضائل الدين وقيمه واخلاقه ورسالته السمحة، لتسيطر على عقول الاجيال ولتوجههم الى هذا السلوك المدمر للإنسانية والحياة والحضارة، مثلما هو مدمر لمستقبل هذه الامة ولعلاقاتها مع العالم المحيط بها.

كم هو مؤسف ان العديد من قياداتنا لم تدرك بعد استفحال الداء، كما لم تدرك ان العلاج لا يكون بالمهدئات ومسكنات الألم، بل هو يحتاج الى علاج جذري وعميق، وكل يوم تأخير يجعل المهمة اصعب، وربما أكثر استحالة.

آن الاوان ان نعيد النظر في كل اساليبنا للمعالجة، بدءا من ادراك ان المعالجة اللفظية، وعبارات الادانة للعنف والاشادة بسماحة الاسلام، ليس من شأنها الا ان تسكن الألم، ليستفحل دونه الداء ويستحكم المرض.

المشكلة ليست في كيف نعرّف الاسلام ونوضح معالم رسالته ونشيد بقيمه وسماحته، بل إن المشكلة هي في ضبط وتصويب سلوك بعض ابنائه الذين خرجوا على كل ذلك.

سفير الأردن الاسبق في الأمم المتحدة

التعليق