محمد أبو رمان

على هامش مؤتمر الجامعة الهاشمية

تم نشره في الجمعة 9 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

في مبادرة ذكية قامت الجامعة الهاشمية يوم الثلاثاء بعقد ملتقى لطلاب الجامعات الأردنية حول دور الطلاب في حمل رسالة عمان، وقدمت في المؤتمر العديد من "أوراق العمل" من طلاب في مختلف الجامعات الأردنية، ودعي عدد من السياسيين والمثقفين والكتّاب للتعقيب على أوراق العمل والحوار مع الطلاب. والمؤتمر – ابتداء- يمثل فكرة جيدة وصحيحة تقوم على نقل رسالة عمان من دائرة النخبة والدوائر المغلقة إلى الدوائر الاجتماعية العامة، وبالتحديد شريحة الشباب وطلاب الجامعات، وهي الشريحة المهيأة نفسيا وفكريا – بحكم العمر والاستعداد للمبادرة – إلى قبول الأفكار الراديكالية، التي ترتدي اليوم ثوب التطرف الديني.

مؤتمر الهاشمية حقق هدفا كبيرا بمجرد أنه عقد، إذ تم توزيع مئات النسخ من رسالة عمان، ودُمج العديد من طلاب الجامعات في حوار ونقاش حول موضوعات الساعة السياسية الحيوية: صورة الإسلام بين الاعتدال والتطرف، كيف نواجه "الإرهاب"، الحالة السياسية في المنطقة. وأفضل ما قدّمه الملتقى – في تقديري- أنّه أتاح للسياسيين والمثقفين والكتاب المدعوين الفرصة للاقتراب من واقع الشباب وهواجسهم واتجاهاتهم.

إلاّ أنّ هناك جملة من الملاحظات المقلقة التي لا بد من الوقوف عندها، والتحدث فيها بصراحة ووضوح، لأن الموضوع يرتبط بالدرجة الأولى بجل كامل سيصوغ الحياة الوطنية الأردنية، ولا يجوز أن نتساهل في نقد الذات وتصحيح الخطأ، وتوجيه هذا الجيل بالاتجاه الصحيح.

أولى الملاحظات هي طبيعة "أوراق العمل" التي قدمت من قبل أغلب الطلاب، إذ تفتقر هذه الأوراق لأي شرط من شروط البحث العلمي. أعرف أن البعض سيرد على ملاحظتي أن الطلاب ما زالوا في مرحلة (البكالوريوس) وأنهم لم يتلقوا بعد مناهج البحث العلمي وشروطه. هذا الرد قد يكون صحيحا – إلى درجة ما- لكن المشكلة أبعد من إعداد ورقة عمل، إذ ترتبط بألف باء التفكير العلمي المنهجي الذي يفترض أن يبدأ الطالب بتلقيه والإفادة منه منذ دخوله الجامعة. وهي الوظيفة الأولى للجامعات أي تعليم الطلاب التفكير العلمي المنهجي.

أما ما رأيناه من "أوراق عمل" فلا تمت إلى أي تفكير علمي ومنهجي، بل أغلبها لغة إنشائية تمجد الحكومة وتلعن "الإرهاب" و"الفئات الضالة" وكأننا في مهرجان خطابي بائس ولسنا في محفل علمي! والمزعج أكثر أن الطلاب هم من مختلف الجامعات الأردنية، أي أنّ هذه المشكلة الكبيرة تعاني منها جامعاتنا على السواء.

يرتبط بالملاحظة الأولى أن "أوراق العمل" تحدّثت (عن) رسالة عمان والإرهاب ولم تتحدث (في) هذين الموضوعين بشكل تحليلي نقدي. وهي الملاحظة التي أشار لها الزميلان ياسر أبو هلاله وسميح المعايطة بتعقيبيهما الصريحين، ما يضع علامة استفهام كبرى حول مدى إدراك مقاصد وغايات رسالة عمان من ناحية. وطبيعة الإرهاب – من ناحية ثانية.

ما نحتاج إليه ليس رسائل غزل في رسالة عمان والوسطية والاعتدال وتكرار واجترار البدهيات! بل بناء استراتيجية واضحة لتنعكس على أرض الواقع وهو ما يتطلب خطوات عملية حيوية تقوم على إعادة هيكلة وزارة الأوقاف وإعادة الاعتبار لها ولأهميتها، وإعادة النظر في مناهج كليات الشريعة وأسس القبول فيها وإدخال العلوم الإنسانية، وتشكيل لجنة من علماء وفقهاء ومثقفين معتبرين لإدارة الحالة الدينية وتوجيهها. لكننا لا نجد أي توجه حكومي جاد في المضي قدما في هذا المجال. ويبدو أن رسالة عمان أصابها ما أصاب موضوع الإصلاح السياسي. نتحدث عنها كثيرا، لكننا لا نقوم بشيء ملموس وحقيقي على أرض الواقع!، وهي الملاحظة التي التقطها الأكاديمي الأردني البارز سحبان خليفات عندما قال أخشى أن ينطبق علينا المثل القائل "أوسعتموهم شتما وأودوا بالإبل".

أما التطرف والإرهاب فأوراق العمل والعديد من التعليقات تعاملت معه وكأنه منبت عن سياقه الاجتماعي والسياسي والثقافي، هابط علينا من الفضاء الخارجي. والغريب أن هذا التصور قائم على تجاهل أدنى القراءات العلمية للظواهر الاجتماعية والسياسية، التي يفترض أن يتلقاها طلابنا مع فصول الدراسة الأولى. فهجاء التطرف والإرهاب، يمكن أن يكتب في قصيدة لا يطرح في ملتقى جامعي!

ما يجب تكريسه والتأكيد عليه على المستوى الوطني وفي إطار بناء الاستراتيجية الأمنية هو أن التطرف نتيجة ومخرجات لمدخلات وشروط تنتج هذه الظاهرة، وهو رد خاطئ منحرف على ظروف سياسية واقتصادية وثقافية قاهرة. والمتطرفون هم عنوان أزمتنا نحن وانعكاس لواقعنا المتردي، وعلاج التطرف ليس بالتغزل برسالة عمان، بل في خلق الشروط والظروف الداخلية التي تحد منه وتقلل من فرص توغله واغتياله لمستقبل مئات الشباب الأردني.

أما القول بأننا يجب أن ندين الإرهاب دون جمل معترضة، فهذا قول لا يمت للموضوعية بأية صلة، وهو تعبير عن عجز حقيقي في مواجهة هذه الظاهرة، ولا بد أولا بالاعتراف بمسؤوليتنا جميعا عن الحالة التي وصلنا إليها ومسؤولية الحكومات والمجتمع المدني والمثقفين والكتاب والأكاديميين الذين تخلوا عن دورهم فخلقوا فراغا كبيرا، ملأه الفكر العدمي المنحرف.

ولعل أحد أبرز المؤشرات الخطيرة في الملتقى ظهور نزعة المركز والأطراف، فكثير من الطلاب كان يتحدث بلغة الأطراف القادمة إلى المركز، وصدور هذا اللون من الخطاب والمفردات من طلاب جامعات "علامة سلبية" على مدى قدرة الجامعة على بناء المفاهيم المدنية والديمقراطية وتجاوز النزعات العشائرية والقبلية على الأقل في المحافل العلمية!

وبعد، إن الإرهاب (التطرف، العنف) الحالي في العالم العربي في أحد تجلياته الرئيسية هو رد خاطئ على التحديات والتهديدات، أو عجز عن قراءة البدائل والاستحقاقات، بمعنى آخر غياب التفكير العلمي المنطقي الصحيح، والدور الرئيس للجامعات والمحافل العلمية هو تعليم الطلاب أسلوب التفكير العلمي المنهجي وهو الرد والحصانة الكبرى كي لا يكون الذين هتفوا وشتموا ونددوا بالإرهاب بالأمس هم ضحاياه اليوم وفي الغد! في المقابل فإن لغة المدح والهجاء التي سمعناها بالأمس قد تجاوزتها حتى جماهير الأنظمة الثورية!

m.aburumman@alghad.jo

 

التعليق