منار الرشواني

الديمقراطية المؤجلة

تم نشره في الاثنين 5 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 صباحاً

لم تكن كل انجازات الانظمة الاستبدادية العربية مجرد شعارات ذرتها أول نسمة هواء، إذ إن الإنصاف يقتضي الإقرار بإنجازات "حقيقية" من نوع ما. وهي من "نوع ما" لأنها في طبيعتها ونتيجتها لا تعدو أن تكون إنجازات مدمرة ليس إلا!

المثال الأهم اليوم على انجازات الاستبداد العربي الراسخة في الممارسة السياسية، بكل ما يستتبعها من نتائج، هو هذا العنصر الحاسم في الثقافة السياسية العربية، والقائم على المرادفة بين "الدولة" و"الحكومة"؛ أو بعبارة أوضح، اختزال الدولة -من حيث هي أرض وشعب وسلطة- في الحكومة فقط! الأمر الذي يفسر بشكل كبير تحلل الدولة أو تفسخها دولا عندما اختفت الحكومة نتيجة الغزو!

لكن قد يبدو منطقيا تماما المحاججة بأن الغزو، ووفق كل المعايير، هو استثناء صارخ، يجعل من كل ما ينتج عنه استثناء بدوره غير قابل للتعميم! هذا صحيح، لكن الواقع العربي يظهر على مستوى آخر أن مصادرة الدولة ككل، من خلال تبادلية مفهومي "الدولة" و"الحكومة"، تبقى حاضرة بقوة في تهديدها للدولة بمفهومها الحقيقي حتى مع اللجوء إلى ما يفترض أنها واحدة من أهم وسائل التغيير والتعبير السلمية، أي الانتخابات.

فالفوضى التي تجتاح مصر، والتي لا يمكن لأي كان إنكارها منذ بدء الانتخابات البرلمانية، يبدو من الممكن تفسيرها بالضعف الواضح للحكومة المصرية في مقابل تقدم لجماعة الإخوان المسلمين من خلال تلك الانتخابات، وهو تقدم يَقصُر عن السيطرة على الحكومة-الدولة. وبين تجاذبات الحكومة وجماعة الإخوان المسلمين، من حيث هي جماعة دينية (إسلامية) المرجعية، فإن علينا أن نتوقع وجود طرف ثالث (أو أطراف ثالثة) يرفض الطرفين الآخرين ويتخوف منهما، كما يظهر ذلك فعلا في التململ أو الخشية القبطية المعلنة، ناهيك عن مواقف تيارات سياسية قومية ويسارية علمانية. أما نتيجة كل ذلك فهي بالتأكيد غياب الدولة بين الفرقاء من حيث هي إطار موحد وجامع.

خلافا للغزو الاستثناء -إلى حد ما- يبدو نموذج الفوضى المصرية المميعة للدولة قابلا للتعميم، مع إمكانية امتداد نتائجه للتطابق مع نتائج الغزو الكارثية (ولربما تكون التجربة الجزائرية دليلا مؤيدا لذلك إلى حد ما)! فهل يعني ذلك أننا نقف اليوم أمام خيار الفوضى، وربما التحلل، مقابل خيار الاستبداد، مع تغير الوجوه والمسميات لا سيما عن طريق الانقلابات التي لا تسمح بوجود فراغات قابلة للاستغلال الفوضوي؟ حتى الآن، تبدو الإجابة بـ"نعم": إما الديكتاتورية وإما الفوضى! لكن السؤال الآخر المُلحّ هو: كيف غدت الديمقراطية في عالمنا العربي مرادفة للفوضى؟ هذا هو الجانب الأهم المثير للتأمل في الانتخابات المصرية.

إذا كان البعد السابق المتمثل في مصادرة الدولة من قبل الحكومة يقدم جزءا من التفسير للصورة الحالية المثيرة للخوف، فإن استكمال التفسير يعيدنا مرة أخرى إلى مفهوم الديمقراطية ذاتها. فالديمقراطية من حيث هي خيار نهائي لا بد وأن تكون بديلا عن الفوضى التي تتناقض معها تماما على صعيد النتائج. لكن تحقق ذلك لا يكون إلا من خلال رفض تحديد الديمقراطية بمقومين اثنين يتمثلان في مفهومي "الانتخابات" و"حكم الأغلبية"؛ فالديمقراطية لا تكون فوضى إلا في حال اعتبرناها مجرد انتخابات، ايا كانت درجة نزاهتها وشفافيتها، إذ هي في الواقع ابعد من ذلك بكثير. واستكمالا لذلك، وفي تعيين حدود الديمقراطية، فلا بد من تجاوز الخطيئة الثانية المتمثلة في أن الديمقراطية هي حكم الاغلبية بالمطلق. وباختصار، فإن مؤشرات الديمقراطية هي حزمة متكاملة (وعلى رأسها احترام حقوق الإنسان، أكان هذا الإنسان ينتمي إلى الأغلبية أم إلى الأقلية السياسية او العرقية او الطائفية) تكون الديمقراطية بها جميعا، أو لا تكون أبدا مهما زعمنا خلاف ذلك.

بناء على ذلك، وايا ما كانت المؤشرات التي يمكن رصدها هنا وهناك، فلا يمكن لنا إلى الآن القول إننا دخلنا حقبة التحول نحو الديمقراطية في الوطن العربي، ففي أحسن الظروف نحن نحاول الخروج من مرحلة الحكم الشمولي بدرجاته المختلفة لنقف على مفترق طرق إما نحو الفوضى أو نحو الديمقراطية. والقضية الحقيقية التي يتوجب على الطامحين إلى استلام السلطة مواجهتها اليوم هي ما إذا كانوا يودون فعلا بناء ديمقراطية حقيقية، وبالتالي بلورة مفهوم حقيقي للوطن والمواطن، أو أنهم محض طلاب سلطة تستدعي بناء ديكتاتوريات إقصائية بالضرورة وعلى حساب الوطن بالنتيجة، إنما تحت غطاء رقيق من ديمقراطية الاصوات لا المواطنين؟

الإجابة عن هذا السؤال، فكرا حقيقيا يترجم ممارسة على الارض، هي ما سيقرر وجهتنا المستقبلية التي تبدو غامضة حتى الآن.  

[email protected]

التعليق