منار الرشواني

الدين وإعاقة الإصلاح

تم نشره في الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

"أكسير الديكتاتورية"، هذا هو الوصف الذي استحقه الإسلام، أو بمعنى أدق توظيف الإسلام واستغلاله حتى عهد قريب! وقد بدا ذلك ممكنا ونتيجة لالتقاء اتجاهين متعارضين! الاتجاه الأول كان يسعى إلى محاصرة الإسلاميين، عبر التأكيد على تعارض الإسلام مع الديمقراطية، بل واعتبار أن الحكم "الثيوقراطي" القادم باسم الإسلام لن يكون سوى دافع لتحسرنا وتحسر غيرنا معنا على "ايام النعيم في ظل الديكتاتورية " مقارنة بالوضع التالي (الإسلامي).

أما الاتجاه الثاني المناقض، إنما المتكامل في النتيجة مع الاتجاه الأول (وكان بعضه برعاية أنظمة حاكمة)، فتمثل في قلب علاقة التعارض السابقة، اي القول بتعارض الديمقراطية، التي هي غربية في قيمها وجذورها، مع الإسلام الحق والصحيح!

وحتى عندما ظهر اتجاه ثالث بين هذين الاتجاهين -وهو "إسلامي" أيضا كما الاتجاه الثاني- يؤكد على الانسجام وعدم التعارض، بل ومحاولة تأصيل "الديمقراطية" إسلاميا، فقد بقيت النتيجة السابقة، اي إعاقة الديمقراطية، حاضرة بذات القوة، والسبب أن هذا الاتجاه الوسطي الثالث كان عاجزا عن تقديم رؤية حقيقية قابلة للتطبيق - والتصديق بالتالي - بشأن مجتمع إسلامي وديمقراطي في آن، وبدا أن رؤى أنصار هذا الاتجاه لا تعدو أن تكون في الغالب الاعم ردا انفعاليا على أنصار التعارض بين الإسلام والديمقراطية، أو أن مثل تلك الرؤى كانت التفافا وتحايلا براغماتيا أقرب إلى تقديم تنازلات في الشعارات والمصطلحات ليس إلا.

اليوم، الإسلاميون يكتسحون الشارع بانتخابات ديمقراطية، أو هم قادرون على ذلك حيثما أتيحت لهم الفرصة، والأهم من ذلك أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، يعلن تقبله للإسلاميين في سدة الحكم، فهل يعني ذلك انتهاء زمن التساؤل حول مدى التوافق بين الإسلام والديمقراطية، وأن كل القضايا التي تندرج تحت هذا التساؤل قد حسمت بالتالي باتجاه ركوب قطار الديمقرطية باعتبارها محور التقاء عالمي لا مجال للجدل بشأنها؟

من منظار مصلحتنا الوطنية القائمة على ترسيخ ديمقراطية حقيقية بعد عقود من الديكتاتورية، تبدو الإجابة عن السؤال السابق بالنفي وليس بالإيجاب هي الإجابة الأصح والأقرب إلى الصواب؟! ففيما يكتسح الإسلاميون - ودونما برامج حقيقية أو حتى دونما برامج أصلا- الشارع عبر صناديق الاقتراع، فإن ثمة إسلاميين آخرين يعلنون التزامهم بذات مصادر الفقه والاجتهاد لدى أقرانهم "الديمقراطيين"، يكتسحون الشارع بدورهم بعنف وتطرف وصل دونما شك حد الإرهاب الأعمى! هكذا، وبين فهم إسلامي متطرف وآخر شعاراتي يفتقر إلى أدنى متطلبات السياسة متمثلة في خطط عمل حقيقية، يبدو من الحتمي أن تكون أية محاولة إصلاحية قابلة للحياة هي الضحية الفعلية.

لكن، ومن ناحية أخرى، فإن الحضور "الإسلامي" المتناقض، أي "الديمقراطي" و"المتطرف"، إنما يكشف في الحقيقة عن ركن اساس -لكنه مغفل- من أركان الإصلاح في المجتمعات العربية والإسلامية، وهو حضور الدين (الإسلام) في هذه المجتمعات، وضرورة إدراكه ووعيه وقبوله.

فالإسلام سيبقى أبدا حاضرا في النظام الاجتماعي للمجتمعات العربية والإسلامية ولا سيما على صعيد الثقافة، وما يهم فعلا هو أن لا يكون هذا الحضور وفق فهم معين متحجر سيغدو حتما، بعد مدة طالت أو قصرت، متخلفا عن اي تطور، بل وسيعود هذا الفهم إلى أداء دوره السابق بمصادرة الإسلام واستغلاله.

وبناء على هذه الرؤية، يمكن القول إن الخائفين من حكم ديني "ثيوقراطي" هم الغالبية في مجتمعاتنا، تماما كما أن الرافضين لحكم يتنكر للدين أو يحاول تحييده وإقصاءه عن هذه المجتمعات هم الغالبية أيضا، وليس في ذلك أي تناقض حتى عندما نقول إن ثمة مساحة واسعة من التقاطع بين هاتين الأغلبيتين.

وبعبارة واضحة، فإن اي إصلاح وديمقراطية حقيقيين لا بد وأن يكونا قائمين على رد الاعتبار للدين/الإسلام، والاعتراف بمكانته في المجتمع، لكن لا كشعارات على حساب السياسة , ففي مجتمعاتنا لن تكون هناك ديمقراطية بغياب الدين بنفس القدر الذي لن تكون هناك ديمقراطية في ظل حكم ديني "ثيوقراطي".

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق