اسرائيل مقبلة على بعثرة خارطتها الحزبية أكثر

تم نشره في الاثنين 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 02:00 صباحاً

تكثر، في هذه الايام في اسرائيل، استطلاعات الرأي حول الانتخابات البرلمانية المرتقبة في شهر آذار (مارس) القادم، ويظهر في الاسبوع الواحد استطلاعان واكثر، في مختلف وسائل الاعلام الاسرائيلية المركزية، تتقلب فيها الأرقام والمعطيات بشكل طفيف، ولكنها، حتى الآن، تدور في مجال استنتاجين اساسيين، الأول انها ترجح كفة أحزاب اليمين الاسرائيلي، التي ستحصل مجتمعة في حدود 70 مقعدا من اصل 120 مقعدا، والثاني ان الحلبة السياسية في اسرائيل ستتبعثر أكثر، وأي حكومة قادمة لن يكون بامكانها ان تقوم بأقل من اربع كتل انتخابية وأكثر لتكون حكومة اغلبية واضحة، وليست هشّة كما هو الحال اليوم، وإن دلّ هذا على شيء، فإنه يدل أولا على ان اسرائيل لا تزال تغوص في أزمتها السياسية والفكرية، والانتخابات المقبلة لن تخرجها منها، وهذا ما سيعكس نفسه على فرص التوصل لاتفاق حل دائم مع الفلسطينيين.

وتنبئ استطلاعات الرأي، الواردة تباعا، بأن الكنيست (البرلمان) سيتشكل بعد الانتخابات القادمة من 13 كتلة نيابية قد تضم من 15 الى 17 حزبا، فمن ناحية عدد الكتل فهو مشابه لنتائج 16 انتخابات برلمانية سابقة، تراوح عدد الكتل البرلمانية فيها من 10 كتل الى 15 كتلة برلمانية، ولكن الاختلاف الحاصل هو في عدد المقاعد بين الكتل، فحتى مطلع سنوات التسعين أي بعد 13 انتخابات برلمانية كان الحزبان الأكبران، "العمل" و"الليكود" (بتسمياتهما المختلفة على مدى عشرات السنوات)، يحتلان الأغلبية المطلقة في البرلمان، بعدد مقاعد تراوح ما بين 70 الى 85 مقعدا، وأحيانا أكثر، وإذا ما انضم اليهما حزبان آخران يدوران في فلكيهما، من اليمين واليسار الصهيوني، فكان يصل عدد المقاعد لهذه الكتل الاربعة مجتمعة الى 100، لتتقاسم باقي الكتل، من 8 الى 10 كتل، ما بين 20 الى 30 مقعدا.

أما ما نقرأه من الاستطلاعات الواردة، حتى الآن، فإن الحزبين الاكبرين مجتمعين سيحصلان على ما بين 55 الى 60 مقعدا، وإذا لم نشهد ائتلافا جديدا بينهما، فإن أي حزب منهما سيكون بحاجة الى اربعة أحزاب الى جانبه ليشكل اغلبية عادية قد لا تصل الى 70 مقعدا من أصل 120 مقعدا، وهذا ما سيؤدي حتما الى حكومة تسعى طيلة الوقت لايجاد الصيغ المشتركة في ما بين مركباتها المتناقضة، إن كان على الصعيد السياسي أو الاقتصادي الاجتماعي، او العلماني الديني، وهي مسألة حساسة جدا في اسرائيل، تتفجر بأشكال مختلفة بين الحين والآخر.

لقد علّمت التجربة في اسرائيل، بأن حكومات تتشكل بهذا العدد من الكتل، في حين ان عدد مقاعد الكتل "الصغيرة" المؤتلفة مع الكتلة الكبيرة يتراوح ما بين 25 الى 30 مقعدا، فإنها ستكون حكومة أزمات وعدم استقرار، تقود الى انتخابات مبكرة، خاصة وأنه لم تجر في اسرائيل سوى خمس انتخابات في موعدها القانوني، وهذا من اصل 17 انتخابات برلمانية، بما فيها المقبلة.

واحتدت ظاهرة "تبعثر" الخارطة الحزبية في اسرائيل، بهذا القدر، منذ منتصف الثاني من سنوات التسعين في القرن الماضي، وكان هذا نتيجة لعاملين رئيسيين، التقيا في انتخابات العام 1996، العامل الاول هو التقاطب السياسي في اسرائيل، الذي افرزته اتفاقيات اوسلو والعملية السياسية، والعامل الثاني انتهاج طريقة الانتخاب المباشر لرئيس الحكومة، الذي تم الغاؤه في العام 2002، بعد ان تأكد الحزبان الاكبران من انهما خسرا من قوتهما كثيرا، في اطار المقايضات الانتخابية لدعم مرشح رئيس الحكومة لكل منهما.

ونبقى هنا عند العامل الرئيسي الأول، بمعنى العملية السياسية، فهو عامل رئيسي مرحلي، ولكنه فجّر أكثر العامل الاساسي، الذي يرافق اسرائيل منذ قيامها في العام 1948، وهو ان اسرائيل ككيان تجمع بين ثقافات وحضارات مختلفة، أحضرها معهم ابناء الديانة اليهودية من مختلف اقطار العالم، وفي كل مرحلة كانت تشعر فيها اسرائيل انها بدأت تصهر مجتمعا خاصا بها، كانت سرعان ما تتراجع الى نقطة البداية في هذا المجال مع موجات الهجرة، وخاصة بعد موجة الهجرة الكبرى الأخيرة، التي بدأت في العام 1990 واستمرت حتى نهاية سنوات التسعين، حين تدفق عليها اكثر من مليون مهاجر، غالبيتهم الساحقة ممن هم اكبر من 18 عاما، بمعنى ان نصفهم شاركوا مباشرة في اللعبة الانتخابية والحياة العامة، واصبحوا يشكلون وزنا انتخابيا جديا (في السنوات الخمس الأخيرة استمرت الهجرة بوتائر ضعيفة نسبة لسابقاتها).

كذلك فإن العملية السياسية والمفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية والدول العربية ساهمت بشكل كبير في سقوط "البقرات المقدسة" التي بنت اسرائيل اجيالها عليها، مثل "ارض اسرائيل الكاملة"، و"عدم وجود شعب آخر"، والرفض المطلق حتى لمبدأ اقامة دولة فلسطينية، وهذا ما أفرز نقاشات حادة في داخل المجتمع الاسرائيلي وساهم بشكل كبير في ازدياد حالة التقاطب السياسي.

وعدا الجانب السياسي، فإن اختلاف الحضارات والثقافات وتدفق الهجرات عمّق أكثر النزاع الديني العلماني، وتمّرد الجمهور العلماني الواسع على قوانين الاكراه الديني، ولكن هذا التمرّد لا يزال أبعد من إحداث انقلاب في القوانين، على ضوء ان الأحزاب الدينية الأصولية تبقى بيضة القبان في الحلبة السياسية في اسرائيل، ورفض الحزبين الاكبرين المبادرة لصدام مباشر مع جمهور الاصوليين.

من الواضح جدا اننا لا نزال نتكلم هنا عن استطلاعات الرأي، وفي الشهرين الأخيرين سقطت استطلاعات الرأي مرتين، في "مفاجأتي" اريئيل شارون في حزبه "الليكود" وعمير بيرتس، في حزبه "العمل"، ولكن هاتان المفاجأتان كانتا حول نتيجة عينية، أما استطلاعات الرأي التي امامنا فهي تعكس صورة عامة أكثر، وتغير هذه الصورة بحاجة الى انقلاب عام يغير طبيعة الخارطة الحزبية الاسرائيلية في هذه الفترة، وهو ما لا نرى أي ملامح له، في هذه المرحلة.

من المفترض ان يعلن رئيس الحكومة الاسرائيلية، اريئيل شارون قراره بشأن مستقبله السياسي، بمعنى هل سيبقى في حزب "الليكود"، أم سينفصل عنه لتشكيل قائمة انتخابية جديدة، واي واحد من هذين القرارين سيشكل "مفاجأة" في الحلبة السياسية، ستنعكس مباشرة على استطلاعات الرأي في اسرائيل، التي تتأثر مباشرة من الاعلام الاسرائيلي القوي.

وحتى اجراء الانتخابات في النصف الثاني من شهر آذار (مارس)، إذا لم تحدث أي مفاجأة جديدة لتغيير الموعد، سنشهد تقلبات في نتائج الاستطلاعات، من حيث توزيع المقاعد في ما بينها، ولكن ليس من ناحية عدد الكتل والأحزاب التي من المتوقع ان تدخل البرلمان الاسرائيلي.

*صحفي وكاتب سياسي مقيم في الناصرة

[email protected]  

التعليق