محمد أبو رمان

حرب مفتوحة مع الإرهاب

تم نشره في الأحد 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

   لا يوجد أية حجة أو لغة يمكن أن تبرر أو تفسر قتل المدنيين الأبرياء العزل أيا كانت الأهداف السياسية وراء عمليات القتل والتفجير، سواء اتفق معها البعض أو اختلفوا. بل إن أهم الأهداف السياسية في مقاصد الشريعة الإسلامية هو "الأمن"؛ النعمة التي منّ الله بها على قريش – وهي مشركة- "وآمنهم من خوف". فكيف يكون الأمر مع شعب مسلم معروف بمواقفه الوطنية والقومية والإسلامية المشرفة! وإذا ما تعارضت أي أهداف سياسية معينة مع الأمن فإن الأمن يقدم عليها، كما يرى علماء المقاصد وشوامخ الفكر الإسلامي.

   إذن، مهمة الزرقاوي في تبرير "جريمة عمان" بأهداف سياسية تبدو شاقة للغاية وغير مقنعة، لأنها تتناقض مع ما رآه الناس بأم اعينهم من ضحايا تلك التفجيرات. بل من الواضح أن العشرات الذين قتلوا والمئات الذين أصيبوا ومقدار الحزن والدمار الذي حدث قد نتج عن عمل انتحاري وقع بدم بارد دون أدنى احتراز في دماء الناس وحياتهم وحرماتهم! كما لا يخفى على أحد أن أي تفجير في مكان عام سيؤدي إلى قتل أبرياء وسفك دماء مدنيين، ولا يجد وصفا أدق من صفة العمل التخريبي وجريمة ضد الإنسان تتناقض مع روح الشريعة وفلسفتها ونصوصها المتواترة.

   أولى الملاحظات على الخطاب الجديد للزرقاوي أنه يختلف تماما في لغته وصيغته عن خطاباته السابقة، إذ يبتعد كثيرا عن اللغة الدينية العقدية الصارمة، ويتحدث بلغة المضمون والأهداف والمطالب السياسية ويدلل على دعاواه بوسائل الإعلام والصحف الغربية. وهو إذ يحاكي بذلك الخطابات الأخيرة للظواهري (الرجل الثاني في القاعدة) فإنها المرة الأولى التي يتحدث فيها عن الأردن بهذه اللغة، ويقدم شروطا سياسية لوقف العمليات.

    ومن يرصد المنتديات "الجهادية" بعد تفجيرات عمان يلحظ مدى الارتباك والجدل في أوساط أنصار القاعدة ومؤيديها، ما أدى إلى ضربة إعلامية وسياسية قاصمة لجماعة الزرقاوي. فهناك معركة إعلامية وسياسية كبيرة مع الأردن وراء الخطاب الأخير الذي يسعى من خلاله الزرقاوي إلى إعادة الاعتبار لـ"البعد السياسي" في تفجيرات عمان، بعد أن نجح الإعلام الأردني بوضع البعد الإنساني والأخلاقي في بؤرة التركيز الإعلامي والسياسي، وتمكن بذلك من كسر الشوكة الاجتماعية للقاعدة، وسحب بساط التأييد الشعبي من تحت أقدامها، واستطاع اكتساب تأييد أغلبية الرأي العام المحلي والعربي والدولي.

    أما شروط الزرقاوي فهي فضلا عن تناقض جزء كبير منها مع مصالح الأردن الاستراتيجية - وبناء بعضها الآخر على شبهات ودعاوى إعلامية غربية- فلا توجد دولة مستقلة في العالم، تقبل أن تملي عليها دولة أخرى شروط ممارستها وتخطيطها السياسي، فكيف بشخص مطلوب للعدالة مطرود من هذه الدولة، يحارب مصالحها ويهدد أمن مواطنيها؟! فأي رضوخ أو قبول من الدولة لمطالب الزرقاوي مرفوض شعبيا قبل أن يكون مرفوضا رسميا.

    والرد العملي على "دعاوى الزرقاوي" يكمن من خلال النظام السياسي الأردني نفسه؛ فهناك العديد من القوى الشعبية والسياسية التي تختلف مع الحكومة، ولها أهداف ومطالب سياسية مناقضة تماما للسياسة الرسمية، لكنها تمارس العمل السياسي والمدني وتدخل البرلمان وتصدر الصحف وتؤثر على الرأي العام. إن الوصول إلى الأهداف السياسية لا يأتي عن طريق التخريب والدمار وقتل الناس بل عن طريق العمل السياسي المشروع. وهناك من النواب الإسلاميين اليوم من يحملون فكرا سياسيا "رفضويا" مماثلا للزرقاوي، لكنهم يدركون أن العمل المسلح غير جائز شرعا في إدارة الصراع الداخلي، ويؤدي إلى ضرب الأمن وتحويل البلاد إلى مسرح للجريمة والفوضى وقطّاع الطرق.

     أخطر ما في خطاب الزرقاوي ويستدعي الانتباه والتوقف عنده، ليس مطالبه السياسية، فهو يدرك تماما أنها مرفوضة مبدئيا. فهدف الخطاب إعلان حرب سياسية وأمنية واقتصادية مفتوحة على الأردن، ويريد من خلال ذلك تحويله إلى ساحة للفوضى والعنف، وخلق عراق آخر في المنطقة. فبعيدا عن الديباجة السياسية وتصويره للأردن وكأنه ساحة مبتذلة للمشروع الأميركي والصهيوني وسعيه لـ "شيطنة" صورة النظام. فإن طلبه من الناس أن يبتعدوا عن الفنادق (وهذا ينطبق على الأماكن السياحية) والسفارات وأماكن تواجد الجاليات الغربية..الخ. هو بمثابة تهديد للأمن الوطني، ومن المعروف أن عمان مزدحمة بالفنادق والسفارات والمصالح الاستثمارية وبالجاليات الأجنبية، ما يعني أن أحد وظائف هذا الخطاب بث الرعب في قلوب الناس والتأثير على السياحة والاقتصاد والاستقرار. وليس عبثا أن يرد في خطاب الزرقاوي الحديث عن مدينة الحسن الصناعية والبحر الميت والعقبة وكلها أماكن سياحية واقتصادية أردنية حيوية.

     ماذا يعني ذلك؟ يعني: أن الأردن اليوم أمام معركة مفتوحة، تستدعي الحذر والانتباه، ولا بد من التعامل مع خطاب الزرقاوي بجدية بالغة. و"قيمة" هذا الخطاب الحقيقية أنه يظهر بوضوح أن قواعد المرحلة السابقة قد انتهت وأننا أمام مرحلة جديدة. أول معالم هذه المرحلة أن "المعادلة الأمنية" قد انقلبت وأن قاعدة البيانات والمعلومات السابقة لم تعد مؤهلة لمواجهة المرحلة الجديدة، وأن الإرهاب أصبح وافدا معقدا استفاد كثيرا من شروط الحالة العراقية. وإذا كانت المصالح الغربية ورموز السيادة الأردنية هي المستهدفة في المرحلة السابقة، فإن مرافق الدولة الرسمية وغير الرسمية والخاصة والعامة تمثل أهدافا في المرحلة القادمة.

   المعركة الأمنية لم تعد "أمنية محضة" بل أصبح جوهرها ثقافيا، وتتطلب خطابا فكريا وإعلاميا وسياسيا. وقد بدا واضحا أن المؤسسة السياسية الأردنية أدركت ذلك منذ وقوع التفجيرات، وأن هناك توجها لإعادة الاعتبار للجانب الثقافي وللمؤسسة الدينية ولدور الإعلام والمثقفين. لكن الحرب الإعلامية والثقافية يجب ألا تتم وفق منطق "الفزعة" والارتجال والخطابات العاطفية وفي بعض الأحيان، من خلال لغة مبتذلة تنم عن جهل بالإرهاب وخطابه، فالمعركة تتطلب رؤية واضحة وخطابا ذكيا مدروسا في أبعاده النفسية والسياسية. ومن يربح معركة الإعلام اليوم يربح الجزء الأهم من المعركة الشاملة.

m.aburumman@alghad.jo        

 

التعليق