أيمن الصفدي

فرنكين وفلس

تم نشره في الأحد 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

هكذا إذن تواجه الضغوط الدولية على سورية للتعاون في التحقيق الذي يقوده القاضي ديتلف ميليس في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. قرار تبناه مجلس الأمن الدولي بالإجماع يطلب من سورية التعاون أو مواجهة اجراءات (عقوبات وحصار) ترد عليه دمشق بأغنية تقول إن التقرير الذي استند اليه مجلس الأمن في اصدار قرار1636 "حقو فرنكين وفلس".

هي تعبئة جماهيرية اذن في مواجهة أزمة سياسية طرفاها سورية والمجتمع الدولي. وللمواجهة أيضاً بعد آخر. خطوات ثأرية بعض ضحاياها صيادون لبنانيون من بلدة ساحلية على الحدود بين لبنان وسورية اعتقلتهم البحرية السورية لأنهم دخلوا المياه الاقليمية السورية. جريمة تستحق العقاب تلك التي اقترفها هؤلاء الصيادون. ولا يبرر هذه الجريمة أن مئات الآلاف من السوريين جعلوا من لبنان وطنا لهم على مدى عقود وبعضهم لا يزال. ولا يخفف من عقوبتها أيضا ان رجال أعمال سوريين كانت سبيلهم الى لبنان لسنوات "الطريق العسكري" حيث لا حدود ولا حاجة لوثائق سفر.

تعبئة وثأرية في مواجهة أزمة سياسية. سلوك مشروع لنظام يحاول ان يحقق التفاف شعبه حوله وأن يتصدى لضغوط متنامية عليه؟ لا، لأن المعالجة السياسية لم تتسم بما يتطلبه الموقف من جدية وواقعية وحرص على حماية سورية من تبعات لن يعانيها الا اولئك الذين يعبئون لمواجهتها بالأغاني والخطابات الرنانة التي تنحو بالمواجهة الى حدود لا طاقة لسورية بها.

تعتقد خمسة احزاب سورية معارِضة كانت اطلقت في 16 تشرين الاول (اكتوبر) الماضي "اعلان دمشق" ان المعالجة السورية لأزمتها مع المجتمع الدولي ستقودها الى مواجهة "ليست في مصلحة الشعب السوري".

وتلك قراءة دقيقة للواقع. فنتيجة الخطاب الرسمي السوري في التعامل مع الأزمة ستكون فتح الطريق امام اجراءات دولية يرفضها كل من يحب سورية ويؤمن بها ويرفض أن تطاولها عقوبات ستوظفها الولايات المتحدة لتحقيق مآربها في دمشق أكثر مما ستهدف الى كشف حقيقة من قتل الحريري.

"مصلحة سورية وطنا وشعباً فوق كل اعتبار وفوق الاشخاص أياً كانت مواقعهم". هذا ما تقوله الأحزاب السورية المعارضة، وبينهم النائب المعارض رياض سيف القابع وراء القضبان سجيناً سياسياً. وهذا ما يجب أن يقوله كل من تعنيه مصلحة سورية. فإسناد سورية لا يكون بتأييد ما يرتكب النظام من اخطاء. حماية سورية تكون بدفع النظام نحو اعتماد سياسات عقلانية تقدم الوطن على الاشخاص وتعي حجم التحدي الذي يواجه.

سورية في حاجة لأن تعبئ شعبها. لكن التعبئة الناجعة تكون من خلال الانفتاح على هذا الشعب وتجذير ممارسات ديمقراطية في الداخل بالتزامن مع خطوات لعقلنة الخطاب السياسي الخارجي وتجاوز الثأرية التي تحكم التوجهات الجديدة نحو لبنان.

أما أغانٍ على شاكلة "كل تقريرك يا ميليس حقو فرنكين وفلس" فقد توفر لحنا يرقص عليه بعضهم لكنها لن تغير من الحال شيئاً. ولن تحصن الخطوات التعبوية سورية ضد ما سيأتي من أوقات صعبة إن لم تُعِد النظر في منهجية معالجتها لأزمةٍ مسؤولةٌ سياستها، أو على الأقل تصرفات بعض أركان حكمها، عن خلقها.

التعليق