جورج بوش وعبر الحرب الباردة

تم نشره في الاثنين 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 02:00 صباحاً

بادر الرئيس بوش مؤخراً إلى عقد مقارنة بين الكفاح الحالي ضد الإرهاب الذي يشنه الجهاديون وبين الحرب الباردة. ولقد أصاب في مقارنته من جانب واحد؛ إذ تميل موجات الإرهاب إلى الامتداد لجيل كامل. ومما يدعو للأسف أن الحرب الحالية ضد الإرهاب، مثلها مثل الحرب الباردة، من المرجح أن تدوم لعقود من الزمان، وليس لأعوام فقط!

لكن بوش لم يدرك درساً آخر اشتملت عليه هذه المقارنة، وهو أهمية اللجوء إلى القوة الناعمة التي تتسم بها الثقافة. فلقد تأتى النصر في الحرب الباردة من خلال التوفيق بين استخدام القوة العسكرية، التي أدت إلى ردع العدوان السوفييتي، واستغلال القوة الجاذبة التي تتمتع بها الثقافة والأفكار الغربية. فحين سقط سور برلين في العام 1989، كانت المطارق والجرافات هي التي هدمته ولم يسقط بنيران المدفعية، ولكن مما يدعو للأسف أن بوش لم يدرك هذا الدرس.

لقد لعبت برامج التبادل الأكاديمي والعلمي دوراً كبيراً أثناء الحرب الباردة في تعزيز القوة الناعمة الأميركية. وفي غمار خشية بعض المتشككين الأميركيين من أن يسرق العلماء السوفييت وعملاء وكالة الأمن الداخلي والاستخبارات السوفيتية (KGB) التكنولوجيا الأميركية، فاتهم أن يلاحظوا أن أولئك الزائرين تشبعوا بالأفكار السياسية، فضلاً عما حملوه معهم من الأسرار العلمية. فقد تحول العديد من هؤلاء العلماء إلى رواد في مجال نُـصْـرة حقوق الإنسان والدعوة إلى الليبرالية داخل الاتحاد السوفييتي.

ففي الفترة ما بين العامين 1958 و1988، زار الولايات المتحدة حوالي خمسين ألف سوفييتي، من كتاب وصحافيين وموظفين رسميين وموسيقيين وراقصين ورياضيين وأكاديميين، ولقد تأثر ألكسندر ياكوفلوف تأثراً شديداً بدراساته التي أجراها في جامعة كولومبيا في العام 1958. وفيما بعد، أصبح ياكوفلوف واحداً من أعضاء اللجنة السياسية التنفيذية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، وكان صاحب تأثير ليبرالي رئيس على ميخائيل غورباتشوف.

وهناك أيضاً أوليج كالوجين، الذي أصبح من كبار مسؤولي وكالة الأمن الداخلي والاستخبارات السوفييتية، والذي قال حين ألقى نظرة على الماضي من زاوية تكشف له الصورة بالكامل في العام 1997: "كانت برامج التبادل تلك بمثابة حصان طروادة بالنسبة للاتحاد السوفييتي. لقد لعبت دوراً هائلاً في تآكل النظام السوفييتي... فقد ظلت العدوى تنتقل منهم إلى المزيد والمزيد من الناس على مر السنين". ولكن اليوم تحرص إدارة بوش على الإبقاء على تطبيق برنامج بطيء وثقيل للحصول على التأشيرة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض أعداد مثل هذه التبادلات، وبصورة خاصة بين أميركا والدول الإسلامية.

أيضا، كانت الثقافة الشعبية على قدر كبير من الأهمية إبان الحرب الباردة. فمن المعروف أن العديد من المفكرين يزدرون الثقافة الشعبية بسبب ما تتسم به من روح تجارية فجة، لكن هذا الازدراء في غير محله؛ ذلك أن الترفيه الشعبي كثيراً ما يحتوي على صور ورسائل تعبر بدقة عن الفردية، والخيار الاستهلاكي، وقيم أخرى ذات تأثيرات سياسية على قدر كبير من الأهمية.

فالأفلام الأميركية، على سبيل المثال، تحتوي على مشاهد عنف وتشجيع على النزعة المادية، لكن كل هذا لا يلخص القصة بالكامل؛ فهي أيضاً تعرض الحياة الأميركية بما تحمله من سمات، مثل الانفتاح والحركة والاستقلالية الفردية ومعاداة القيم التقليدية والتعددية والشعبية والحرية. وقد عبر الشاعر كارل ساندبرج عن هذا الأمر في العام 1961 حين قال: "هل هوليود أكثر أهمية من هارفارد؟ أقول إنها قد لا تكون بنظافة هارفارد، لكنها مع ذلك أطول منها ذراعاً وأبعد تأثيراً".

والحقيقة أن الخط الفاصل بين المعلومات والترفيه لم يكن قط واضحاً محدداً كما يصوره بعض المفكرين، بل إنه يزداد إبهاماً مع الوقت. فبعض الموسيقات الغنائية الشعبية قد تكون ذات تأثير سياسي، كما من الممكن أن تنتقل الرسالة الثقافية عبر الهيئة التي يظهر بها الرياضيون أو نجوم الفن، أو عبر الصور المتعددة التي تبث عن طريق التلفاز والسينما. والصور كثيراً ما تنقل من القيم ما تعجز الكلمات عن توصيله. وحتى استهلاك الوجبات السريعة قد يحمل رسالة ضمنية مستترة. بل إن إحدى الأسر الهندية وصفت زيارتها إلى مطعم ماكدونالدز بأنها كانت بمثابة نزهة للحصول على "شريحة من أميركا".

على الرغم من أن الاتحاد السوفييتي كان يفرض القيود والرقابة على الأفلام الغربية، إلا أن الأفلام التي تمكنت من العبور إليه كانت ذات تأثيرات سياسية مدمرة. وكما علق أحد الصحافيين السوفييت بعد عرض محدود لأفلام كانت تحمل انتقاداً للسياسات الأميركية الخاصة بالأسلحة النووية: "لقد صدمتنا تلك الأفلام بكل تأكيد... فقد بدأنا نفهم أن نفس الخراب الذي قد يحل عليهم من جراء حرب نووية سوف يحل علينا نحن أيضاً".

فضلاً عن ذلك، فقد أدرك الجمهور السوفييتي، الذي كان يشاهد أفلاماً لا تحمل مضموناً سياسياً، أن الناس في الغرب لا يضطرون إلى الوقوف في طوابير طويلة من أجل شراء الطعام، ولا يعيشون في شقق شعبية مشتركة، وأن بوسع كل منهم أن يمتلك سيارة خاصة به. كل ذلك أدى إلى التشكيك في الصور السلبية التي كانت تبث من خلال الآلة الدعائية السوفييتية.

وحتى موسيقى "الروك آند رول" كان لها دور في كل ذلك. وكما شهد أحد مساعدي غورباتشوف فيما بعد: "كان فريق "البيتلز" يعبر عن أسلوبنا الصامت في رفض النظام، في ذات الوقت الذي كنا ننصاع فيه لأغلب مطالبه". وفي الخمسينيات، أصدر مسؤولون شيوعيون في التشيك حكماً بالسجن على مجموعة من الشباب بتهمة تشغيل أشرطة تحتوي على "موسيقى أميركية منحلة". لكن تلك الجهود ثبت في النهاية أنها كانت ذات تأثير عكسي. ففي العام 1980 بعد مقتل جون لينون، أقيم له نصب تذكاري على نحو عفوي في مدينة براغ، وكان الاحتفال بذكراه السنوية يتم من خلال الخروج في مسيرات تطالب بالسلام والديمقراطية. وفي العام 1988 أسس المنظمون نادياً يحمل اسم "نادي لينون للسلام"، وكان أعضاء ذلك النادي يطالبون برحيل القوات السوفييتية؛ لقد تفوق لينون على لينين.

لقد تأتى النصر في الحرب الباردة من خلال مزيج من القوة العنيفة والقوة الناعمة. ولم تكن كافة مصادر القوة الناعمة أميركية؛ إذ لا ينبغي لنا أن ننسى دور هيئة الإذاعة البريطانية وفريق البيتلز، وأيضا من الخطأ أن نتجاهل الدور الذي لعبته الثقافة الشعبية.

يتعين على المرء أن يكون حريصاً في استخلاص الدروس التي قد تصلح لما نحن عليه اليوم. فقد كان التشابه بين ثقافات أوروبا الشرقية وثقافات أوروبا الغربية أقرب من التشابه الحالي بين الثقافات الغربية والثقافات الإسلامية. ففي بعض الدوائر المتطرفة وبين الإرهابيين لا تشكل الثقافة الغربية عنصر جذب، بل إنها تثير الاشمئزاز في نفوسهم. ولكن حتى في إيران حيث يطلق الملالي من الحكام على أميركا وصف "الشيطان الأعظم"، يحرص الشباب على مشاهدة أشرطة الفيديو الأميركية حين يختلون بأنفسهم في منازلهم.

وتؤكد استطلاعات الرأي في العالم الإسلامي أن الثقافة الأميركية تظل جذابة في نظر المعتدلين الذين يمثلون الغالبية العظمى. والحقيقة أن السياسات الأميركية هي التي أدت إلى انعدام شعبية أميركا في العالم الإسلامي. وكبداية، يستطيع بوش أن يتعلم كيف يبتعد عن الطريق ويفسح المجال لتشجيع المزيد من الصلات الشعبية بين الثقافتين.

جوزيف س. ناي نائب وزير دفاع الولايات المتحدة الأسبق، وهو أستاذ بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب "القوة الناعمة: السبيل إلى النجاح في السياسة العالمية".

خاص بـ"الغد". حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005

www.project-syndicate.org

التعليق