ياسر أبو هلالة

من أكثر الصور مأساوية قد تكون البداية

تم نشره في الأحد 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

قبل التفجيرات بيومين كنت في "لوبي" فندق الحياة. لم أكن على موعد مع الاستخبارات الأميركية، ولم أذهب لاحتساء الخمر ولا إلى النادي الليلي، كان زميلي وليد العمري، مدير مكتب الجزيرة في فلسطين، في زيارة عمل إلى عمان. ولو أن المفجر تعجل في يومين لكنا خبرا عاجلا! في المكان ذاته قضى مصطفى العقاد وابنته وآخرون بلا ذنب، ولنفترض أن هذا الفندق هو مكان مفضل للاستخبارات، فما يُدري عامة الناس به، وهل يستطيع المفجر أن يجزم بوجود أولئك؟

مصطفى العقاد، صاحب "الرسالة" و"عمرالمختار"، قضى حياته محاولا تصحيح صورة العرب والمسلمين. لم يكن مستلبا مأخوذا بحضارة الغرب، مع أنه في موقع القلب منها، "هوليود"، بل كان مفتونا بأمته وحضارتها وتاريخها المجيد. في "الرسالة"، قدم صورة الإسلام الأول، وبفعل الفيلم اعتنق كثير من الأوروبيين الإسلام. وفي "عمر المختار"، قدم إسلام القرن العشرين استمرارا لرسالة الإسلام الأول في إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. في مشهد من مشاهد الفيلم تبرز صورة الصحابي الاستشهادي البراء بن مالك؛ كان المجاهدون الليبيون يقيدون أرجلهم حتى لا يهربوا من أمام دبابات المحتل. قدم أجمل الصور للإسلام حتى في تعبيراته القتالية، فيما بدا الغرب الإيطالي الشوفيني في أبشع صوره.

لم يكتف بفيلميه العالميين، كان ينوي عمل مدينة للإنتاج السينمائي في سبيل تقديم صورة العرب والمسلمين بلا تشويه. كان يخشى على الناشئة العرب أن يفقدوا ثقتهم بحضارتهم، تماما كخشيته من الصورة المشوهة لدى الآخر. فيلم "صلاح الدين" كان سيظهر فيه أين كان المسلمون، رقيا وحضارة وعدلا، وأين كان غيرهم؛ أرخ الصليبيون لدخولهم القدس ببرك الدماء التي غاصت فيها خيولهم، في حين كان صلاح الدين يبعث طبيبه لعلاج عدوه، ودخل القدس سلما. في "عبدالرحمن الداخل" أراد أن يقدم مجد الأندلس المفقود، يوم كان الغربيون يتعلمون العربية لدخول الجامعات.

الصورة التي ظل العقاد يحاربها لاحقته في لحظاته الأخيرة، التشويه الذي حاربه لاحقه واقتص منه. اللوبيات اليهودية والعنصرية في أميركا والغرب لم تتمكن منه، تمكن منه أبناء جلدته الذين نذر حياته لهم!

ما تم لا يمكن تبريره دينا؛ فحتى الخليفة المسلم يدرأ الحدود بالشبهات! من يستطيع أن يجزم بوجود الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية؟ هل ضاقت بها الدنيا ولم تجد إلا الفنادق التي يرتادها العامة؟ بارات وخمور... كل ذلك لا يستحل الدماء المعصومة. السذج بادروا إلى عقلية المؤامرة: "لا يمكن أن يفعلها مسلمون مجاهدون، الأميركيون واليهود وراءها". خبر هآرتس المشبوه، الذي عادت ونفته، عزز نظرية المؤامرة؛ الحكومة الأردنية تضحي بمواطنيها وحلفائها الأميركيين والغربيين ولا تحرص على غير الإسرائيليين؟!

الواقع أن "المسلمين" و"المجاهدين" يفعلونها وفعلوا أكثر منها، وهذا مؤصل تنظيرا ومطبق واقعا. ففي مطلع التسعينات، فجرت محلات سينما، الخسائر كانت أقل لأن الخبرات كانت أقل. أطلق الإعلام على التنظيم ذاك "الأفغان الأردنيون"، مع أن أحدا من أعضائه لم يصل أفغانستان، وإنما جريا وراء تقليعة "الأفغان الجزائريون" و"المصريون" وغيرهم.  وفي العام 2000، كان فندق راديسون ضمن أهداف القاعدة، ومعه المغطس الذي كان البابا ينوي زيارته. واكتُشف عدد من التنظيمات التي تستهدف فنادق ونواديَ ليلية. هذا في الأردن، وقد تكرر في غير بلد استهداف السياحة، من مواجهات مصر في التسعينات وصولا إلى تفجيرات طابا الأخيرة.

المسألة تفسر سياسيا، فاستهداف السياحة في مصر كان انتقاما وثأرا من الدولة من خلال ضرب عصب الاقتصاد ممثلا في السياحة، وما حصل في الأردن الشيء نفسه. صحيح أن الضربة مؤذية للدولة، لكنها مؤذية بشكل أكبر للقاعدة؛ فاستطلاع معهد بيو أظهر أن 60% من الأردنيين يؤيدون تنظيم القاعدة، وأظهر الاستطلاع تراجعا في تأييدها في أندونيسيا عقب تفجيرات جزيرة بالي. هل كان يدرك الزرقاوي ذلك؟ ربما، فهو لا يسعى إلى الشعبية، وقاعدته أن "الطائفة المنصورة" لا يضرها من خذلها وخالفها.

علينا أن نفكر في هذا الملف الساخن بعقل بارد، كيف يمكن أن لا تتكرر المأساة؟ صحيح أن الاحتلال الأميركي في العراق والإسرائيلي في فلسطين يؤججان أفكار ومشاعر العنف، لكن ذلك لا يعطي مبررا للعنف الأعمى. سبق أن كتبت عن فيلم "قناص بغداد" الذي اصطاد أكثر من مائة جندي وضابط أميركي، وحسب ضابط أميركي فإنه لا يترك غير رصاصة واحدة في جسد الجندي، فهل يستطيع أحد استنكار فعلة قناص "الجيش الإسلامي في العراق"، مقاتل يقاتل جيشا محاربا؟ حتى الصحافة البريطانية والأميركية تحدثت عنه بإعجاب. لكن من يستطيع أن لا يستنكر تفجيرات عمان؟

الحل شامل ومتكامل، لا يقتصر على معالجة معزولة عن غيرها. فمن أكثر الصور مأساوية أن المخرج مصطفى العقاد راهن على الصورة في تغيير الأفكار في الغرب، والصورة قادرة على ذلك في الشرق والغرب. ليس في ذلك وفاء لفنان عظيم، بل دفاع عن ديننا وحضارتنا وأنفسنا.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »the best article I rad about this subject (Hussien)

    الأحد 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2005.
    thanks, this one of the best article I have written about the terror attack in Amman. my commentis how do you deal with these people. fightting the american or isarel don't give them the write to do this . I think they should be fought and condemened in the same way we see the isareli's and us terror in IRAQ.