لماذا سيخرج الأردن من محنته أقوى مما كان؟

تم نشره في الجمعة 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

   يمثل الاعتداء على الأردن اعتداء على القيم الإنسانية أولا، لا لشيء سوى لأن الأردن لم يعتدِ يوماً على أحد، بل كان دائماً المدافع الأوّل عن كلّ ما له علاقة بالقيم والحقوق العربية، بما يحمي العرب من الشرور على مختلف أنواعها. لذلك، كل ما يمكن قوله أن قتل أبرياء في عمان اعتداء على كل ما هو إنساني وحضاري في هذه الأمة العربية، في وقت سادت ثقافة الانتحار والموت ووجدت من يمجّدها.

   الاعتداء على فنادق في عمان، على الرغم من خطورته، ليس سوى حدث عابر من دون أي تقليل من حجم الخسائر الانسانية التي لا تعوض، خصوصاً اذا ما أخذنا في الاعتبار العائلات التي فقدت عزيزاً أو أعزاء. إن ما حدث ليس عملاً جباناً فحسب، بل هو يمثل أيضاً حالاً مرضية تسود منطقة الشرق الأوسط في ايامنا هذه؛ إنها حالة تسعى الى الانتقام من كل ما هو ناجح، والأردن هو رمز النجاح أولاً، النجاح  الذي استمر مع صعود الملك عبدالله الثاني الى العرش، وتوليه مسؤولية نقل البلد الى مرحلة جديدة. إنها مرحلة التعايش مع عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001، وعالم القرية الصغيرة التي فرضتها العولمة. وقد استطاع الأردن الالتحاق بالعولمة، وان يكون جزءاً لا يتجزأ منها، خلافاً لدول عربية متفوقة عليه من ناحية الغنى لكنّ مشكلتها الأساسية تكمن في أنها لا تمتلك إنساناً بمستوى الإنسان الأردني.

   دفع الأردن غاليا ثمن نجاحه، لكن الأردن لا يمكن أن يتوقف عند الحادث الإرهابي الاّ من اجل الاقتصاص من المجرمين بعد سوقهم الى العدالة، أيا يكن الطرف وأيا تكن الجهة التي تغطي العمل الإجرامي الذي أرتكب. لقد مرّ الأردن بمراحل أخطر بكثير من المرحلة الراهنة وخرج منها دائما منتصراً لأنه كان على حقّ أوّلا، ولأنه كان ويبقى قبل كل شيء وطنا يستحق الحياة، يؤمن به الأردنيون الذين يعرفون تمام المعرفة قيمة الوطن وقيمة الخيمة التي يبسطها فوق رؤوسهم.

   ولكن أبعد من الحادث الإجرامي الذي استهدف ترويع الأردنيين والاقتصاص من مرتكبيه، لابد من الإشارة الى أن ما حصل يأتي في وقت تبدو دول المنطقة في حاجة كبيرة الى السعي الى ضبط النفس والاستقرار. والأكيد ان السعي الى الاستقرار لا يمر في نقل المشاكل الى الآخرين. لذلك، تبدو كل دول المنطقة، البعيدة عن الأردن والقريبة منه، مدعوة الى الابتعاد عن المغامرات. إذ يفترض في أي قوى إقليمية، عربية أو غير عربية، يمكن أن تكون شجعت على ما حصل في عمّان أو ساهمت فيه، ان تفكّر جيدا في ان ما تفعله لن ينقذها من الورطة التي أوصلت نفسها اليها. على العكس من ذلك، ان ما حصل في عمّان من جرائم سيرتد عليها عاجلا أم آجلاً. المهم الاّ تكون هناك قوة أو دولة في الشرق الأوسط تعتقد أن في استطاعتها الاستفادة من أحداث عمان. كل ما في الأمر ان القوة أو الدولة التي تقف وراء احداث عمان لابد أن تدرك أن عملية الهروب الى الأمام لن تؤدي الى أية نتيجة.

   سيخرج الأردن من المحنة اقوى مما كان، وستساعده هذه المحنة، على الرغم من الثمن الإنساني الكبير الذي توجّب دفعه، على اتخاذ مزيد من الاحتياطات، وذلك بعد التأكد من أن القوى الساعية الى نشر حال من عدم الاستقرار في المنطقة تركّز على الأردن الذي يظلّ هدفاً لهذه القوى التي اعترضت في الأساس على الدور الأردني في العراق وفي غير العراق.

   تلقى الأردن درساً مهماً فحواه أن الاستقرار الذي يتمتّع به مستهدف من قوى تعتقد أن النيل منه يمكن أن يوفّر لها أوراقاً إقليمية هي في أشد الحاجة اليها، ونسيت هذه القوى أن مرحلة امتلاك الأوراق الإقليمية واستخدامها في مساومات مع القوى العظمى ولّت الى غير رجعة، خصوصاً انه لم تعد في العالم سوى قوة عظمى وحيدة اسمها الولايات المتحدة الأميركية، وذلك بغض النظر عما تواجهه هذه القوة من تحديات في هذه الأيام، أكان ذلك على الصعيد الداخلي أم الخارجي. وبكلام أوضح، إن الأردن ليس ورقة، وهو أقوى بكثير مما يعتقد كثيرون؛ إنه وطن بكل معنى الكلمة، وهو وطن يعتزّ به الأردنيون، إضافة الى أنه حاجة إقليمية لا غنى عنها بأي شكل من الأشكال، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

   سيخرج الأردن من محنته اقوى مما كان. إنها بالفعل محنة صعبة، لكنها تعطي درساً للذين زايدوا في أوقات مختلفة على الحكم والحكومة، وفحوى هذا الدرس أن لا مجال لأي تهاون مع الإرهاب والإرهابيين، وان مثل هذا التهاون مع هؤلاء، أو مع القوى الإقليمية التي تدعم الإرهاب والإرهابيين هو بمثابة استسلام لقوى الشر، لا أكثر ولا أقل. هذا ما رفضه الأردن في الماضي، وهذا ما يرفضه حاضراً ومستقبلاً بقيادة ملك شاب يعرف تماما كيف يواجه التحديات، كل أنواع التحديات.

 

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق